الثلاثاء، 28 أبريل، 2009

الحرب الاعلامية ( حروب الرسول الاعلامية ) الجزء الاول

الحرب الاعلامية ( حروب الرسول الاعلامية )

في الخطاب الاخير للرفيق عزة ابراهيم القائد الاعلى لجبهة الجهاد والتحرير استوقفني كثيرا تاكيد سيادته على اهمية الحرب الاعلامية فقد خص الرفيق ابو احمد جل خطابه الكريم في ذكرى السابع من نيسان مولد حزب البعث العربي الاشتراكي . ليعيد التذكير بحقيقة كبيرة ومهمة وهي حقيقة الفيلق الاعلامي ومجاهدي الاعلام المقاوم بصفته مرتكز اساسي من مرتكزات الجهد الحربي والمعنوي للمقاومة العراقية البطلة وتأكيد سيادته على اهميه الدور المناط بالفيلق الاعلامي على الرغم من معاناته من الحصار والتشويه والتسقيط الذي يتتالى علينا حتى من بعض من هم محسوبون على الجهد المقاوم ومن العملاء والخونة ان القوة الاعلامية للمقاومة العراقية تعاني نفس مايعانيه الجهد العسكري من حصار وتعتيم ومحاربة واتهامات ليس لها أي حظ من الصحة او المصداقية لذلك ارتأيت ان اكتب بهذا الموضوع تعريفا وتذكيرا بقوة الجهد الاعلامي المقاوم واسس العمل والتعامل مع الاحداث وفق ماتتطلبه الحالة العامة للصراع اخذين بنظر الاعتبار مقدار الجهد المعادي وامكانياته المادية واعلامية كما اخذين بنظر الاعتبار الخلايا النائمة للاعلام المعادي او من هم يتمنطقون باسم المقاومة وهم اشد خصام وفي هذا الجزء شنناقش مسالت الجهد الاعلامي للرسول( ص) وتتلوه اجزاء اخرى عن دروس الاعلام المقاوم .
الحرب الإعلامية تعريفاتها: فن الانتصار بدون حرب. وهي في الأغلب تسعى للسيطرة على عقل وقلب الخصم بحيث تصنع ضبابية في الفهم والتصور. إنها تقوم علي صُنع هالة أمام أعين الخصم، يعجز معها عن تقدير قوة خصمه بما يُمكِّن للطرف المستهدِف السيطرة العقلية والروحية على المستهدَف.
وللحرب الإعلامية وسائل من يمتلكها ينجح بقدر ما يوليه لهذه الحرب من أهمية، وللحق فقد استطاع الكفار السيطرة على أفهام الكثير من الناس بفضل الجهد الجبار الذي يمارسوه في حربهم الإعلامية، وما ذاك إلا لخروج المسلمون من حصنهم الذي يقيهم سهام الرامين والدرع الذي يحميهم من طعنات الطاعنين، ليلجوا في مستنقع الجاهلية والاعلام الكافر بمحض إرادتهم، فيصدقوا الكاذب ويؤمنوا الخائن " وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلَـكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ".

تعتمد الحرب الإعلامية على عدة نقاط ضرورية لتكتمل دائرة السيطرة على الخصم:

- التهويل من قدرة المستهدِف والتهوين من قدرة المستهدَف.
- تبرير الحرب بالأخلاق والمبادئ، والتشكيك بأحقية الخصم بالحُكم.
- تمييع المصطلحات بحيث يُحار في فهمها كالارهاب والتطرف ومن ثَم يعجز عن مواجهتها.
- الكذب في النتائج واستباق حدوثها. وكأنَّ الحرب قد انتهت والقوات قد استسلمت وفي الحقيقة أنها لم تبدأ بعد.
- إضفاء نوع من القداسة على رموز المستهدِف.
وللحق أيضاً فالحرب الإعلامية في مُجملها تقوم على الكذب والتضليل والخداع والتمويه، ولكنها في النظرية الإسلامية جاءت كأسمى ما تكون عليه الأطروحات، وقد اعتمدت على الحقائق والوقائع المحسوسة والملموسة، وإنْ داخلها بعض المفاهيم كـالحرب خدعة ، ولكنها في أضيق الحدود وللوصول إلى الحق، وهي جزء من الحرب وهنا نلاحظ ان الرسول ص قد شنت عليه اول حرب اعلامية في هذه الحادثة اذ كان أبو لهب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتربص له كل ما جلس عند وفد أو جماعة حدثهم بأنه نبي مرسل فإذا قام من عندهم أتاهم أبو لهب وقال لهم لا تصدقوا فانه كذاب وكذلك الوليد بن المغيرة قام هو ومشركو مكة بتشويه دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم فقال الوليد يا معشر قريش انه قد حظر موسم الحج وان وفود العرب ستقدم عليكم وقد سمعوا بأمر صاحبكم يعني محمد صلى الله عليه وسلم هذا فاجمعوا رأيا واحدا ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا ويرد قولكم بعضا بعضا فقالوا يا ابى عبد شمس قل و أقم لنا رأيا نقول
قال: بل انتم قولوا اسمع
فقالوا :كاهن
فقال: ما هو بكاهن ولقد رأيت الكهان فما هو بزمزرة كاهن وسمعه
فقالوا: مجنون
فقال: ما هو بمجنون ولقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو تخمه ولا تخالجه ولا وسوسته
فقالوا :شاعر
فقال: ما هو شاعر قد عرفنا الشعر برجزه و قر يضه ومقبوضه ومبسوطه فما هو بالشعر
قالوا: فنقول ساحر ا ساحر فقولوا ساحرا يفرق بين المرء وأبيه وبين المرء وأخيه والمرء
ومن هنا نلاحظ ان قريش استخدمت الحرب الاعلامية ضد الرسول باقذر صورها وكان لزاما على الرسول وهو سيد الخلق واعلمهم بادارة الحروب النفسية والتعبوية ضد اعدائه الى الجؤ الى الحرب الاعلامية وفق مفهومها الاسلامي ووفق ما تتطلبه ساحة المعركة بينه وبين خصومه وقد تواتر عن سيرة الرسول كثيرا ما استخدم اسليب الحرب النفسية والاعلامية ضد اعدائه الى درجه استطاع بها ان يسبقهم بخطوات كبيرة وسهل له حسم الكثير من النزاعات دون الحاجة الى سفك الدماء وسنورد بعضا من هذه الحروب الاعلامية التي شنها الرسول ص ولكن قبلها سناتي الى استخدام الرسول الى الشعراء في شن مثل هذه الحروب وخصوصا في ضل عدم توفر صيغ الإعلامية أخرى أنجع من الشعر الذي كان لغة العرب ومصدر من مصادر قوتها في ذلك العصر ومن شعراء الرسول حسان بن ثابت قال صلى الله عليه وسلم في حديثه المشهور :
" إن من الشعر لحكمة "
ومن أمثال هؤلاء الشعراء البارزين في العصر الإسلامي ، حسان بن ثابت شاعر الإسلام .
حسان بن ثابت الأنصاري شاعر عربي وصحابي من الأنصار، ينتمي إلى قبيلة الخزرج من أهل المدينة، كما كان شاعراً معتبراً يفد على ملوك آل غسان في الشام قبل إسلامه، ثم أسلم وصار شاعر الرسول بعد الهجرة. توفي أثناء خلافة علي بن أبي طالب بين عامي 35 و 40 هـ.
هو أبو الوليد حسان بن ثابت بن المنذر الخزرجي الأنصاري من أهل المدينة، ومن بني النجار أخوال عبدالمطلب بن هاشم جد النبي محمد من قبيلة الخزرج، ويروى أن أباه ثابت بن المنذر الخزرجي كان من سادة قومه، ومن أشرفهم، وأما أمه فهي الفزيعة بنت خنيس بن لوزان بن عبدون وهي أيضا خزرجية. ولد 60 قبل الهجرة على الأرجح صحابي وكان ينشد الشعر قبل الإسلام، وكان ممن يفدون على ملوك الغساسنة في الشام، وبعد إسلامه أعتبر شاعر النبي محمد بن عبد الله.
وأهدى لهُ النبي محمد جارية قبطية قد اهداها لهٌ المقوقس ملك القبط وأسمها سيرين بنت شمعون فتزوجها حسان وأنجبت منهُ ولدهُ عبد الرحمن، وحسن إسلامها وهي أخت زوجة الرسول مارية القبطية.
ولقد سجلت كتب الأدب و التاريخ الكثير من الأشعار التي ألقاها في هجاء الكفار ومعارضتهم، وكذلك في مدح المسلمين ورثاء شهدائهم وأمواتهم. وأصيب بالعمى قبل وفاته، ولم يشهد مع النبي مشهداً لعلة أصابته ويعد في طبقة المخضرمين من الشعراء لأنه أدرك الجاهلية والإسلام. وتوفي في المدينة زمن خلافة علي بن أبي طالب
كما قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- لحسان بن ثابت( اهجهم وهاجهم وجبريلُ معك )وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا تسبّوا حسّاناً ، فإنه ينافحُ عن الله وعن رسوله
وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اهجوا قريشاً فإنه أشد عليها من شق النبل) فأرسل إلى ابن رواحة فقال: (اهجهم) فهاجهم فلم يرض، فأرسل إلي كعب بن مالك ثم أرسل إلى حسان بن ثابت، فلما دخل عليه قال حسان: آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه ثم قال: والذي بعثك بالحق لأقرينهم بلساني قرع الأديم.
روى مسلم بسنده عن أبي هريرة أن عمر مر بحسان وهو ينشد الشعر في المسجد فلحظ إليه فقال قد كنت أنشد وفيه من هو خير منك ثم التفت إلى أبي هريرة فقال أنشدك الله أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أجب عني اللهم أيده بروح القدس قال اللهم نعم.
وشكا الزبرقانُ بن بدر الحطيئةَ أنه قال له يهجوه:
دع المكارم لا ترحل لبغيته... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسى
فقال له عمر: وا أراه هجاك، أما ترضى أن تكون طاعما كاسيا، فقال يا أمير المؤمنين إنه لا يكون هجاء أشد من هذا، فبعث عمر إلى حسان بن ثابت فسأله عن ذلك فقال يا امير المؤمنين ما هجاه ولكن سلح عليه، فعند ذلك حبسه عمر وقال له: لأشغلنك عن أعراض المسلمين...
لمّا كان يوم الأحزاب ، وردّ الله المشركين بغيظهم لم ينالوا خيراً ، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :من يحمي أعراض المسلمين ؟قال كعب بن مالك أنا وقال عبد اللـه بن رواحة أنا يا رسـول اللـه . قال إنّك لحسنُ الشعر وقال حسان بن ثابت أنا يا رسول الله قال : نعم ، اهجهم أنتَ ، وسيعينُكَ عليهم رُوح القُدُس
روى البخاري بسنده عن عائشة رضي الله عنها قالت استأذن حسان النبي صلى الله عليه وسلم في هجاء المشركين قال كيف بنسبي فقال حسان لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين
مرَّ عمر بن الخطاب على حسّان وهو ينشد في مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، فانتهره عمر ، فأقبل حسّان فقال كنتَ أنشد وفيه مَن هو خيرٌ منك :فانطلق عمر حينئذٍ ، وقال حسان لأبي هريرة أنشدك الله هل سمعتَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول يا حسّان ! أجبْ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، اللهم أيّده بروح القُدُس (قال اللهم نعم )
وفي رواية اخرى
وظل حسان بن ثابت رضي الله عنه ينشد الشعر في المسجد النبوي بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم في خلافة أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهم، روى أبو هريرة رضي الله عنه: أن عمر بن الخطاب مرّ بحسان وهو ينشد الشعر فلحظ إليه ــ أي نظر إليه شزراً ــ فأجابه حسان: كنت أنشد الشعر وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: أنشدك الله : أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : أجب عني، اللهم أيده بروح القدس قال : اللهم نعم .
ومن شعرة رضوان الله عليه في هجاء ابو سفيان
ألا أبلــغ أبا سفيان عني فأنت مجوف نخب هواء
بأن سيـوفنا تركتك عبداً وعبد الدار سادتها الإماء
هجوت محمداً فأجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاء
أتهجوه ولستَ له بكفءٍ فشركما لخيركما الفداء
هجوت مباركاً برّاً حنيفاً أمين الله شـيمته الوفاء
فمن يهجو رسول الله منكم ويمدحـه وينصُره سواء
فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء
لساني صارم لاعيب فيه وبحري لاتكدره الدلاء

وكانت وفود القبائل تَقْدَم على الرسول صلى الله عليه وسلم للمفاخرة فكان الرسول عليه الصلاة والسلام يستعين بشاعره حسان للرد عليهم ومفاخرتهم، وكانت الروح الإيمانية والبراعة الشعرية عند حسان مدعاة لاعتناق بعض القبائل الإسلام، فقد اعتلى حسان المنبر في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم يوم انتصاره الأدبي العظيم على شعراء بني تميم في وفودهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وفدوا عليه بعد فتح مكة ليفاخروه، وفيهم ساداتهم البارزون، ونخبة من خطبائهم وشعرائهم، أمثال الأقرع بن حابس، والزَّبْرِقان بن بدر، وعُطارد بن حاجب، وقيس بن عاصم، فألقوا خطبهم وقصائدهم، فانتدب النبي صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت للرد على شاعرهم الزِّبْرقان بن بدر، فنقض قصيدته بالقصيدة العينية التي يقول فيها:

إنّ الذوائب من فهر وإخــوتهم قــد بينوا ســنةً للناس تُتّبع
يرضى بها كل من كانت سريرته تقوى الإله وبالأمر الذي شرعوا
قومٌ إذا حاربوا ضروا عـدوّهم أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا
سجية تلك منهم غير محــدثة إن الخلائق_فاعلم_ شرُّها البدع
إن كان في الناس سبّاقون بعدهم فكل سبق لأدنى سبقهم تبــع
ولايضنون عن مولى بفضــلهم ولايصيبهم في مطـــمع طبع
لايجهلون وإن حاولت جهلـهم في فضل أحلامهم عن ذاك مُتسع
أعفّةٌ ذكرت في الوحي عفتـهم لايطمعــون ولايرديهم الطمع
كم من صديق لهم نالوا كـرامته ومن عدوٍ علـيهم جاهد جدعوا
أعطوا نبي الهدى والبر طاعتـهم فما ونى نصرهم عــنه ومانزعوا
أكرم بقوم رسول الله شيعتهـم إذا تفرقت الأهواء والشـــيّع

فلما سمع القوم ماقاله حسان، قال الأقرع بن حابس: إن هذ الرجل لمؤتى له، والله لخطيبه أخطب من خطيبنا، وشاعره أشعر من شاعرنا، وأصواتهم أعلى من أصواتنا، ثم أقبلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعوه وأسلموا.
المديح عند حسان:

كان حسان ينظر في مديحه للرسول صلى الله عليه وسلم، ولأصحابه رضي الله عنهم، من الزاوية الدينية، لا من الزاوية القبلية،لذلك جاءت مدائحه صادقة، ونابعة من قلبه وعقله، وهذه أبيات يمدح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أَغـــرّ عليه للنبوة خاتم مـن الله مشهود يلوح ويشهد
وضم الإله اسم النبي إلى اسمه إذا قال في الخمس المؤذن: أشهد
وشق لــه من اسمه ليجله فـذو العرش محمود وهذا محمد
نبي أتانا بعــد يأس وفترة مــن الرسل، والأوثانُ في الأرض تعبد
فأمسى سراجاً مستنيراًوهادياً يلـوح كما لاح الصقيل المهند
وأنذرنا ناراً وبشّــر جنةً وعلمـــنا الإسلام فالله نحمد
وأنت إله الخلق ربي وخالقي بذلك ماعـمّرت في الناس أشهد
ومن قوله يمدحه عليه الصلاة والسلام:
وأحسن منك لم تر قط عيني وأجمل منك لم تلد النساء
خُلِقْتَ مبرءاً من كل عيب كأنك قد خُلِقْتَ كما تشاء

الرثاء عند حسان:
وقف حسان جانباً كبيراً من شعره على الرثاء، يبكي به من سقط شهيداً من المسلمين في الميادين، ومن تخترمه المنية من رجالهم البارزين، موظفاً قصائده المعاني الدينية، والقيم الإسلامية، ويعدد فيها مناقب المرثي في نصرة الدين والذود عن الإسلام.
قال يرثي حمزة بن عبدالمطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيد الشهداء الذي استشهد في معركة أحد سنة ثلاث للهجرة.
دع عنك داراً عفا رسمـها وابك على حمزة ذي النائل
أبيض في الذروة مـن هاشم لم يَمْرِ دون الحق بالباطـل
أظلمتِ الأرضُ لفقــدانه واسودّ نور القمر الناصـل
صلى عليك الله في جــنة عالية مكـــرمة الداخل

وقال أيضاً يرثي أصحاب بئر معونة في السنة الرابعة للهجرة، الذين غدر بهم عامر بن الطفيل، وجماعة من بني سليم، وقتلوهم جميعاً، وكانوا زهاء سبعين رجلاً من خيار الصحابة قال:
على قتلى معــونة فاستهلي بدمـع العين سحاً غير نزر
على خيل الرسول غداة لاقوا مناياهــم ولاقتهم بقدر

كما قال يرثي زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبدالله بن رواحة رضي الله عنهم الذين سقطوا شهداء في معركة مؤتة من أرض البلقاء في الشام، في السنة التاسعة للهجرة:

تأوبني ليل بيثرب أعـــسرٌ وهَـمٌّ إذا مانوّم الناس مسهر
لذكرى حبيب هيجت ثم عبرة سفوحاً وأسباب البكاء التذكر
بلى إنّ فقدان الحــبيب بليةُ وكـم من كريم يبتلى ثم يصبر
فلا يبعــدن الله قتلى تتابعوا بمـؤتة منهم ذو الجناحين جعفر
وزيدٌ وعبــدالله حين تتابعوا جميعاً وأسبـــاب المنية تخطر
غـداة غدوا بالمؤمنين يقودهم إلى المـوت ميمون النقيبة أزهر

وتجلى رثاء حسان عندما انتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى في السنة الحادية عشرة للهجرة فقال يرثيه:
بطيبة رســم للرسول ومعهد منيرٌ وقد تعفو الرسوم وتهمـد
ولاتنمحي الآيات من دار حرمة بها منبر الهادي الذي كان يصعد
بها حجرات كـان ينزل وسطها مـن الله نور يستـضاء ويوقد
معالم لم تطمس على العهد آيها أتاهـا البلى فالآي منها تجدد
ورثاه أيضاً بقصائد متعددة كلها تترجم حزنه الشديد وأسفه البالغ.

ومن هنا نلاحظ كيف ان رسول الله ص قد استخدم الكلمة وأعلى اسلوب اعلامي في ذلك الزمان اذ استخدم الشعر بشاعر من فحول الشعر الذين امنوا بالله وحسن ايمانهم فكانوا قوة اعلامية كبيرة لرسول الله ومدد يؤيده بروح القدس ليرد على اعداء المسلمين واعداء الرسول ولنا في رسول الله ص اسوة حسنة وبهذا المثل البسيط الذي استشهد به الرفيق ابو احمد كما اوردنا نلاحظ مدى استنباط المقاومة العراقية الباسلة لتراث الاجداد واستخدامه في معارك التحرير .
نعم ايها الفيلق الاعلامي اهجهم وروح القدس تؤيدكم
يتبع ...............

الحرب الاعلامية ( ثورة العشرين ) الجزء الثاني

الحرب الاعلامية ( ثورة العشرين )

تطرقنا بالجزء الاول الى حروب الرسول الاعلامية ومدى تاثيرها على نشر الدعوة الاسلامية كما تطرقنا الى استخدام الشعر كمصدر اعلامي مهم استخدمه الرسول في حربه الاعلامية وفي هذا الجزء سنتطرق الى ثورة العشرين واستخدام العراقيين لتقنية اخرى من تقنيات الحرب الاعلامية وهي تقنية استخدام الاهازيج والهوسات العشائرية كمحفز قوي للثوار وكمصدر اعلامي لبطولاتهم وكارشيف احتفظت به الذاكرة الثورية العراقية بهذا الاتجاه مما ساعد على استنهاض همم العشائر العراقية باتجاه الثورة كما واصبح ميدان للتنافس العشائري وتخليد لبطولات هذه العشائر وارشيف مهم للتفاخر وكتعريف لثورة العشرين فهي ثورة قامت بها بعض العشائر العربية العراقية عام 1920م والتي سميت بثورة العشرين وشملت معظم المدن العراقية لمقاومة النفوذ البريطاني وسياسة تهنيد العراق تمهيدا لضمه للتاج البريطاني أو مايسمى دول الكومنولث، وكذلك بسبب سوء معاملة الإنجليز للعراقيين، وانتشار الروح الوطنية والوعي القومي بينهم. وكان السبب المباشر لاندلاع الثورة هو اعتقال الشيخ شعلان شيخ عشيرة بني حجيم في الرميثة، وامتازت عشائر بني حجيم بحسها الوطني الكبير ، إذ منهم انطلقت ثورة العشرين ضد الاستعمار البريطاني ، وانتشرت في أرجاء العراق كله ، ونظراً لكون مدينة السماوة مركز المحافظة كان قريباً من الناصرية من جهة والديوانية من جهة أخرى ، فقد كانت الصلات قوية بين عشائر هذه المدن الثلاث ، وتشكل عشائر حجيم العنصر الرئيس في التركيبة السكانية لمحافظة المثنى، وهي من العشائر الكبيرة، وبتاريخ 13 /8 / 1920 أنطلقت أول بوادر الثورة من جامع الحيدرخانة في شارع الرشيد، حيث أجتمع أعيان بغداد في الجامع، من العلماء والشيوخ ومنهم مفتي بغداد وعلى غرار حركة المفتي عبد الغني آل جميل، وتم أرسال الرسائل لبقية العشائر في أنحاء العراق، للتحرك ، وتحركت عشائر العراق وعزموا على قطع خطوط سكك الحديد مابين بغداد وسامراء وذلك لقطع إمدادات الجيش البريطاني بين الموصل وبغداد وسيطروا على بعض المدن وألحقوا الخسائر بالقوات البريطانية في تلك المناطق. ثم أنتشرت الثورة في باقي محافظات العراق ودامت الثورة حوالي ستة شهور تكبدت خلالها القوات البريطانية خسائر بشرية كبيرة. وخسائر في الممتلكات تزيد عن أربعين مليونًا من الجنيهات الأسترلينية. وقد كشفت الثورة عن التضامن والنضج السياسي والإستعداد العسكري بين العراقيين آنذاك
ابرز العشائر التي شاركت في القتال :عشيرة الظوالم ، عشيرة زوبع ، عشيرة بني تميم ، عشيرة العزة عشائر ربيعة ، عشيرة السعيد ، عشائر القرنة عشيرة العوابد ، عشيرة آل فتله من قبيلة الدليم ، عشيرة البونمر من قبيلة الدليم ، عشيرة البومحل والجغايفة من قبيلة الدليم ،عشيرة بنى عارض ، عشيرة بني زريج
وقد استخدمت اغلب هذه العشائر الاهزوجة والهوسات العشائرية كواجهه اعلامية مهمة للثورة اضافة الى الاساليب الاخرى مثل المطبوعات التي كانت تلسق بالجدران وقصائد الشعر التي كانت تلقى في التجمعات في المدن ومن ابرز الشعراء ومن هؤلاء محمد مهدي البصير وهو من مواليد الحلة 1895- 1974 ويعد اول عراقي دعا إلي ان تكون الثورة علي المحتل البريطاني ثورة مسلحة وليست منابر واهازيج وخطباً في الجوامع، بل هو من خمس دعاة اشعلوا ثورة العشرين، ولقبه الناس بلقب ( ميرابو الثورة ) تشبيها بخطيب الثورة الفرنسية بعد إعلان البصير موعداً للثورة العراقية علي منابر بغداد...!
شاعر ثورة العشرين بامتياز، لأنه الشاعر الوحيد الذي مهد للثورة ....وكانت قصائده تفعل في نفوس العراقيين فعل السحر، فتثير فيها عواطف النخوة والغيرة علي وطن محتل، وقد حفظت قصيدته: ( لبيك أيها الوطن )شفاها في كل اندية ومحافل بغداد وطارت الي المدن جميعها تردد في التظاهرات واجتماعات التنديد، يقول فيها:
إن ضاق ياوطني عليَّ فضاكا
فلتتسع بي للأمام خطاكا
أجري ثراك دمي فان انا خنته
فلينبذني إن ثويت ثراكا
بك همت بل بالموت دونك في الوغي
روحي فداك متي أكون فداكا
وهي قصيدة طويلة عبرّت عن وحدة البندقية في الشعب، ودعت الي جهاد الوحدة الوطنية لطرد المحتل وتحرير العراق، وكان صوت الشعر يؤمئذٍ اقوي من صوت البندقية او بما يعادل فتوي جهادية
اما من ناحية الاهزوجة وهوسات العشائر فسنورد امثلة كثير في هذا المضمار ومنها هوسا ت شعلان ابو الجون عندما انطلقت الرصاصة الاولى للثورة العراقية قال احد اصحاب شعلان أبو الجون يخاطب الارض التي عسكروا فيها وقد شبهها بالغادة الحسناء الجامعة لصفات الجمال :
اكلن لج يجامعة الحسن عيناج فن كوكس اوديلي بعسكره يدناج
كون اهلج جفون ابطرب جيناج ( خل يمن كلبج يرعيعه )
وقال الشيخ شعلان ابو الجون عندما ضغط الهجوم على العارضيات :
بي خير او يجثر عسكر وريلات اسواريه او بيادة وفوك طيارات
ابعزم الله او عزم حيدر ابو الحملات ( يتوزع وطروح انشيله ) .
ولم تكن بين هذه الحادثة وبين أولي الحل والعقد في الحواضر والارياف المهمة اية سابقة فلما وقعت وقف المخلصون تجاه الامر الواقع اذ لا يمكن ترك ابطال الرميثة ويصطلون بنار العدو منعزلين عن اخوانهم ، فكان لا بد من الاشتراك والاشتباك .
كان لوقع الاشعار والهوسات وقع عظيم في استهاض الهمم لباقي العشائر العراقية فتسابقوا للدفاع عن الارض تسبقهم هوسات الابطال كاعلان للقدوم الى ساحة الوغى والحق وكتهديد للعدوا قبل ان يصلوا الى مرحلة الاشتباك الفعلي وبعد مرحلة الاشتباك نلاحظهم يتغنون بانجازاتهم العسكرية وبطولاتهم الفردية والجماعية ومنها ما اختزنه الذاكرة الثورية العراقية جزء من تراث الاعلام المقاوم وكامثلة على ذلك نورد
الهوسات العشائرية فن شعري حربي معروف في العراق والهوسة تبدأ شعراً ثم تأتي الهوسة في الشطر الأخيروتسمى " الردسة " , وقد ينسى الناس الشعر وتبقى الهوسة او ( الردسة ) في الجملة الأخيرة تعتبر الهوسات من العناصر المهمة في إثارة الهمم وايقاظ العزائم واعطاء القوة للرجل المحارب مما تساوي في تأثيرها النفسي ما تساويه الآلة الفاله في يده، والهوسات تعتمد بالدرجة الاولى على من يرددها والذي يسمى (المهوال) وكثيرا ما استفادت...
الجموع المقاتلة من المهاويل الذين يمتلكون فن الاثارة. الهوسات في ثورة العشرين كان لها المردود الايجابي في شحذ الهمم والهجوم على الغزاة الانكليز يقيناً أن الهوسة لا تخلو من قصة فلابد من قصة أو حدث أو مناسبة قيلت فيها هذه الهوسة وهنا نستعرض الشيء اليسير من تلك القصص الرائعة, وربما هناك الشيء الكثير الرائع الذي لم يحفظه التاريخ.
* أحد العراقيين الأبطال حين شاهد قائداً بريطانياً بعد انتهاء الثورة ردد هوسته الرائعة مذكراً هذا القائد بكثرة قتلى الانكليز
من ذوله اتربّع واوينه.
* أحدى النساء العراقيات عندما شاهدت أبنها وقد طعنه جندي انكليزي بحربة بندقيته, ولكن أبنها عضّ الجندي من لوزته حتى ماتا سوية فأنشدت هذه الهوسة الرائعة
عفيه أبني الجاتل جتاله.
* أحدى النساء العراقيات شاهدت أبنها مرمياً على الأرض هلهلت وقالت هوستها مفتخرةً
كل جابت خابت بس آنه.
* الشاعرة العمارية انجيده تخاطب أبنها الشهيد ولم يمض ِ على عرسه سبعة أيام وهو شاب لم يتجاوز الثامنة عشر
عربيد اسم أمك يالهيبه.
أراد الإنكليز عام 1916 إرسال نجدة عسكرية من الناصرية إلى الجنرال طاو زند المحاصر في الكوت عبر نهر الغراف الذي يمر بأراضي السعدون فتصدت للإنكليز عشائر المنتفك من خفاجة والازيرج واشتبكت معها في قتال عنيف وانتهى بانتصار المنتفك وتدمير النجدة الإنكليزية فانشد مهوال المنتفك مفتخرا
شرناها وعييت باهيزة
وباهيزة: منطقة جرت فيها أحداث المعركة تقع شمال الناصرية والمقصود أخذنا رأي المنطقة والأرض في عبور الإنكليز فرفضت ذلك الرأي من باب التندر طبعا .
قال شاعر من آل ازيرج مخاطبا (هاملتن) القائد الانكليزي عندما اراد الهجوم عليهم:

ذوله افروخ الازرج موش اهل لملوم
يهاملتن تأدب لا تزومش دوم
بالسنكي معاك نريد نصفه اليوم
(رد لا تتدهده بحلك آفه)

والمهوال محمد آل صيته عندما شاهد بنات آوى يتطلعن الى جثث جنود الانكليز قال:

واوي الكوت متعني او متمور
يكول اشهل ربيعه اشكثر بيه اكسور
واوي لعارضيه ايكله من ياخور
(يتكلب وهله يندهونه)

اما شعلان ابو الجون فقد خاطب رجاله الذين يحرسون (جسر السوير) ويهيمنون عليه...

اكلن لج يجامعة الحسن عيناج
فن كوكس اوديلي ابعسكره يدناج
كون اهلج جفوج احنه بطرب جيناج
(خل يا من كلبج يرعيعه)

وعندما هاجم ابو الجون القوات الانكليزية في الرميثة قال:

(حل فرض الخامس كوموله)
وعندما اسقط الثوار طائرة قال شاعرهم
خل ترعد بالجو هز غيري

اما الشيخ شعلان العطيه الذي كان يعاني من رعشة في راسه وقد استهزأ احد قادة الانكليز برعاشة، وسأله لماذا انت ترتعش؟
فأجابه بعد ان انقض على القائد الانكليزي هو وافراد من عشيرته واردوهم قتلى فهوّس الشيخ شعلان فكانت الاجابه لسوآل القائد الانكليزي :- والهوسه هي :-

ارعش ما ارعش هذا انه

وتشبهها هوسة للشيخ عبدالواحد الحاج سكر من شيوخ آل فتلة في الثورة: (تندار الدنيه وهذا آنه( والشاعرة افطيمه من عشيرة الظوالم تسأل اخوها عن ابنها فأجابها:

جن لا هزيتي أو لوليتي

فأجابته مفتخرة:
(هزيت ولوليت الهذا) وتعني بها هذا اليوم.

والشاعرة عفته بنت اصويلح من عشيرة الازيرج اسر العدو ولدها وقد مرو به عليها فلما شاهدته خشيت ان يناله الجبن وربما يلوذ بالانكسار فأفهمته بالهوسه...

بسن لا يتعذر موش آنه
فأجابها: خلوني بحلگه وگلت آنه

وهذه بعض الأمثلة الجميلة لهذا الفن
هوسة للشيخ عجمي باشا السعدون:
غداي الماطلي لو ثار طريت
ثمل لو دخن البارود طريت
أنا سن البحر للميل طريت
(خل الطق للصد يالبيضا)

هوسة للشيخ مبدر الفرعون من شيوخ آل فتلة في ثورة العشرين:

ما تنداس ثايتنه وحدنه
مبارد ما تحت بينه وحدنه
نشگ شگوگ ونخيط وحدنه
شك ما يتخيط شگينه

هوسة للشيخ حسن العذاري الحلي:

حدن لي بكل الناس والشر
ولا نتبع حچي النمام والشر
احنه اللي بحد الموت والشر
والموتة بكل عز نشريهه

وهذه هوسات ضاعت الأشعار التي قبلها, وبقية جمله التهويس:

الطوب أحسن لو مكواري - تندار الدنيه وهذا آنه - إتشلبه العيطه ودجيته - رد فالتنه احتاجيناهه مشكوله الذمه اعله الفاله - يتلكه الصوجر واحنه وياه بالمايتكايش ذب روحه - ياما يسرنه وعفّينه - ملينه من جتل الصوجر - ودّوه يبلعنه وغص بينه

(من ذوله اتريع واوينه): قالها مهوال عندما رأي البريطاني ديكسون في زيارة لقبيلته بعد انتهاء الثورة, ويذكر بكثرة من قتلوا من الإنكليز ورموا بجثثهم لكلاب الصحراء.

( سوى لك مسند تركينه ): قالها المهوال في استقبال الملك فيصل الأول يذكره بأن من جعل له عرشا (مسنداً) في العراق هو بنادق الشعب التركية القديمة في ثورة العشرين.

وقال احدهم مخاطبا الشيخ خزعل امير المحمرة :

هي حرب أدول ياخزعل ماهي درنگات
وخلــهه لبو مطشـــر خلـفت الباشـــات
تراهـــــــــم صـبايا تكســــر الجيمـــات
أسأل قنصلها اشسوينه

(الطوب افخر لو مگواري؟ ): مشهورة, ومعناها هل المدفع الإنكليزي أفضل أمعصاي الخشبية ذات الرأس المطلي بالقار؟, وهي عبارة تحدي, وكان( المگوار) يومها أفخر وأقوى من أطواب الإنكليز.
من هوسات ثورة العشرين قول أحدهم مخاطباً القائد البريطاني برسي كوكس:

يكوكس وين وجهك.. جوك اهل لملوم
تطلبك بالشعيبه, وعرضيت اليوم
لابد ما نسوي اعله السماوة اليوم
( تستانس بيه... حتى امريكه

لاحظ هذا التناقض الزمني, كان لهم تصريح مشهور بعد الحرب العالمية في تأييد ماهو مضاد للامبراطرية البريطانية , وهذا المهوال من بني حكيم يقول أن أمريكا ستفرح عندما تسمع بهزيمة الإنكليز على يد العراقيين, فسبحان مقلب الأمور!!!

(يا حوم اتبع لو جرينا ): اشتهرت إبان الحرب العراقية الإيرانية, وتعني أيها الطير اتبعنا إذا هجمنا لأنك ستجد الطعام من أجساد الأيرانيين.
وقد تطورت الهوسة العشائرية كثيرا واستخدمت في الحرب العراقية الايرانية كما استخدم الشعر الشعبي والقصيدة الفصحى بشكل واسع خلال الجهد الاعلامي في الحرب وابدع الشعراء في ذلك وهذا سنعود له ان شاء الله في جزء خاص عن الحرب الاعلام المقاوم في الحرب العراقية الايرانية ..

يتبع .......

الحرب الاعلامية ( إعلام الثورة الجزائرية ) الجزء الثالث

الحرب الاعلامية ( إعلام الثورة الجزائرية )

سنتطرق في هذا الجزء من الحرب الإعلامية الى نموذج من هذه الثورة التحريرية الجزائرية كانت تواجه عدو يعتبر من الدول العظمى في تلك المرحلة فرنسا كانت من الدول الاستعمارية تمتلك قدرات كبيرة وإمكانيات اقتصادية هائلة إضافة إلى جيوش جرارة وهي ترسخت بالجزائر لفترة احتلال طويلة أوجدت خلالها الكثير من العملاء والمتعاملين معها إضافة إلى استخدامها سياسة الفرنسة ومحاولة تغير ثقافة الشعب الجزائري والتأثير على ديانته وقيمه الإسلامية ومحاولة ربطه بالدولة الفرنسية فكرا وتفكيرا وهنا نلاحظ مدى الصعوبة التي واجهها الإعلام المقاوم للثورة الفرنسية والثورة الجزائرية اندلعت في غرة نوفمبر 1954 ، بكل ما لديها من وسائل بشرية ومعنوية ومادية ودعائية وإعلامية متواضعة ، مصوّبة لإبلاغ رسالة الثورة إلى الشعب الجزائري أولا، ثم إلى الشعب الفرنسي ثانيا،و إلى الرأي العام الدولي أخيرا.
إن الهجمة الإعلامية الشرسة والواسعة النطاق والإمكانيات المادية الضخمة التي جندتها السلطات الاستعمارية الفرنسية للتقليل من أهمية أحداث أول نوفمبر من خلال مختلف أجهزة الإعلام والوسائل الدعائية توضّح لكل متتبع لهذه الأحداث مدى الهلع والخوف والاضطراب وعدم التصديق بحقيقة ما يحدث في هذه البلاد المجاهدة آنذاك .
وهكذا ، راحت وسائل الإعلام الفرنسية ،لاسيما المكتوبة و المسموعة، بمختلف مشاربها واتجاهاتها السياسية الحزبية بدون اختلاف تزرع الشك في نفوس الجزائريين والفرنسيين سواء داخل الجزائر أو في فرنسا نفسها بنعت هذه الأحداث بكل الأوصاف، بأنها مجرد تمرّد من قطاع الطرق و"الفلاّقة" الذين قدموا من تونس بعد التضييق عليهم هناك ، وذلك قصد عزل الثورة وخنقها ثم تجريدها من صفتها الشعبية وهدفها المنشود :أي الحرية والاستقلال ، لتحوّلها إلى مجرد أعمال إرهابية تقودها أياد خارجية ليس لها أي صلة بالشعب الجزائري المسالم والذي يريد العيش مع الأوربيين في بلد واحد، مرتبط بالوطن الأم : فرنسا .
إلا أن تطورات الأحداث، وتوسيع الضربات المصوّبة نحو العدو الفرنسي ومسارعة الجزائريين من مناضلين ومسبّلين ومجاهدين إلى الالتحاق بصفوف الثورة المجيدة عبر النداءات في وسائل الإعلام أخلطت الأوراق وجعلت المستعمر يرتبك ويضطرب في كل مكان سواء داخل القطر الجزائري الثائر أو داخل القطر الفرنسي نفسه.
وكان لهذا الانخراط المتواصل في صفوف جيش التحرير وجبهة التحرير الوطني الدور الهام والرئيسي في تحوّل الصحافة الفرنسية في تحليلاتها ومقالاتها المتعددة تجاه الثورة المباركة وخاصة الصحافة التي يُقال عنها المستقلة عن الدوائر الرسمية لتفسر حسب منظورها طبيعة أحداث الجزائر ، لاسيما ا لصحافة الصادرة في المستعمرة الجزائرية آنذاك .
وخوفا من أن تفلت القضية من يد الحكومة الفرنسية وتُروّج الأحداث خارج البلاد وتُعطى لها تفسيرات عديدة ، منها تفسير الانتفاضة العارمة للجزائريين وإرادتهم وعزمهم على نيل الحرية والاستقلال ، أصرّت هذه الحكومة ، عبر وسائلها للإعلام ، على الإعلان عن هذه " الأحداث " بأنها أعمال فردية أو مجموعات صغيرة منعزلة وأن الحكومة جهزت كل قواتها للتصدي لأعمال الشغب هذه وأن الهدوء سيخيّم على هذه المناطق المعزولة وستسترجع السلطات الفرنسية الأمن والاستقرار وتتحكّم في زمام الأمور .
وراحت هذه الصحافة ووسائل الإعلام ا لفرنسية تحاول طمأنة الأوربيين في الجزائر بأنهم يجب أن يضعوا ثقتهم الكاملة فيما تتخذه السلطات الفرنسية من إجراءات لتهدئة وضمان الأمن و"ا لقضاء على هذه الشرذمة المتمردة وهذه العصابات المجرمة من اللصوص وقُطاع الطرق" ويجب عليهم ضبط النفس لأنها مسألة وقت فقط ".
وهكذا كانت الأحوال في بداية الأمر عندما اندلعت الثورة المجيدة : لسان حال واحد للإعلام لسان السلطة الاستعمارية يمرر من خلال الصحافة المحلية المتواجدة في الجزائر سمومها ضد ما كانت تسميهم بالأهالي المتمردين والمسلمين المتواجدين في الجزائر الفرنسية، مع تزييف الحقائق والوقائع أمام الرأي العام الداخلي والخارجي . بل في كثير من الأحيان كانت هذه الصحف توزع الحقد وتدعو القراء إلى"مقاومة" الثوار، إلى أن ظهرتْ صحيفة " المجاهد " اللسان المركزي لجبهة التحرير الوطني لأول مرة كنشرة للثورة الجزائرية في الشهر السادس من سنة 1956 وفي قلب الجزائر . وقد صدرت باللغة الفرنسية ثم تُرجمت بعد ذلك إلى اللغة العربية . وقد جاء في افتتاحية العدد الأول ما يلي :
ستكون ( المجاهد ) بالإضافة إلى جريدة ( المقاومة الجزائرية ) اللسان الناطق المأذون له أن يتكلم باسم جبهة التحرير الوطني كما سيكون المرآة التي تنعكس فيها نشاطات جيش التحرير الوطني وستتبوأ المجاهد مكانتها لتكون سمعَ الرأي العام وبصره وصوته ولتزوّد الشعب بالأخبار الحقيقية فتكون صلة الوصل بينه وبين مجاهدي جيش التحرير الوطني.
ومنذ ذلك الحين، بعد صدورها، قامت صحيفة ( المجاهد ) بدور فعال وأساسي في إبلاغ الرأي العام الدولي بحقيقة الثورة الجزائرية ، وكذا أداة لتعبئة الرأي العام الداخلي وتوجيهه في التقاط المعلومات الحقيقية التي هو في حاجة ماسة إليها قصد تتبع مسار الثورة وجنود جيش التحري الوطني في عملياتهم المتواصلة ضد القوات الاستعمارية ، وسرد مراحل المقاومة الباسلة التي يبديها الشعب الجزائري .
أما أهداف الإعلام المقاوم الجزائري وهي الحرب الأخرى للمقاومة :
1 - ضرورة إيجاد التوازن بين متطلبات الرأي العام الوطني والدولي بعرضه للقضية الجزائرية بمختلف الوسائل والأساليب قصد إقناع الرأي العام الدولي بمصداقية هذه القضية .
2 - ضرورة الحفاظ على المبادئ الجوهرية للثورة .
3 - ضرورة الرد الفوري والمباشر على أجهزة الإعلام الغربية ولاسيما وكالات الأنباء المنحازة لوجهة النظر الاستعماري الفرنسي.
4 - ضرورة الحرص الشديد على دقة البيانات والبلاغات المقدمة إلى وكالات الأنباء الأجنبية خشية تحريفها أو عدم فهمها .
5 - ضرورة إرساء نافذة تطل منها على العالم مقدمة بطولات الشعب الجزائري الثائر من اجل الوصول إلى أبواب العالم الغربي والأمم المتحدة ، قصد قناعة الشعوب بعدالة القضية الجزائرية وتدويلها .
إذا كان قادة جبهة التحرير الوطني عند تأكيدهم على ضرورة الاعتماد بالدرجة الأولى على العمل المسلح لتحرير البلاد من المستعمر الغاشم ، فإن الأمور تغيّرت مباشرة بعد حوالي سنتين من اندلاع الثورة المجيدة حيث عرفت هذه السنوات ، لاسيما بعد مؤتمر الصومام عقد في 20 أغسطس 1956 الموافق لـ 14 محرم 1376 هـ في منطقة القبائل في قرية إيقري.
مشاركون في المؤتمر

أسباب عقد المؤتمر و امتداد بعد كل هذا اصبح من الضروري عقد اجتماع لقادة الثورة الجزائرية في مكان ما داخل الوطن لتقييم الأوضاع، تنسيق الجهود، و تنظيم هياكل الثورة ووضع اللإستراتيجية الضرورية لمواصلة الثورة حتى النصر. وتقسمي البلاد إلى نواحي عسكرية والجيش إلى رتب
كان من أهم النتائج التي تمخض عنها هذا الاجتماع هي توحيد النظام العسكري و السياسي حيث وضعت رتب عسكرية و العلامات التي ترمز لها، وضع خريطة جديدة للجزائر وفقا لظروف الحرب آنذاك وتحسين مستوى المبادرة، و التعاون و التنسيق بين مختلف القوى المشاركة في الثورة في ذلك الزمان، و تقرر استبدال تسمية المنطقة باسم الولاية، و الناحية بالمنطقة، و القسم بالناحية، إضافة إلى أحداث القسمة، و منطقة العاصمة المستقلة، و اتحاديات جبهة التحرير في فرنسا و المغرب و تونس. كما وضعت إستراتيجية للعمل المستقبلي للثورة و التي كانت تهدف إلى:
• إضعاف الجيش الفرنسي
• الإخلال بالوضع في فرنسا إلى أقصى الحدود إقتصاديا و اجتماعيا
• مؤازرة الشعب الجزائري في وجه البطش الاستعماري الفرنسي

وقد اتخذ المؤتمر قراراً بإقامة المجلس الوطني للثورة الجزائرية التي كانت تتكون من 34 عضوا"، و لجنة للتنسيق و العمل تضم خمسة أفراد.. كان من بين نقاط الاختلاف في هذا الاجتماع الذي صار يحمل اسم المؤتمر الأول لـجبهة التحرير الوطني بعد استقلال الجزائر هو من سيكون مسؤولا عن الجناح السياسي للثورة. أيكون من جيش التحرير أم من جبهة التحرير الوطنية؟. ويجدر الاشارة ان الأولوية كانت قد أعطيت للجانب السياسي على الجانب العسكري في ذلك المؤتمر إلا أن الخلاف ظل قائما بين المؤتمرين. سقطت وثائق مؤتمر الصومام في أيدي الجيش الفرنسي إثر وقوع المجاهدين في كمين فرنسي و هروب البغلة التي كانت تحمل الوثائق. مهد مؤتمر الصومام الطريق للحكومة الانتقالية بقيادة فرحات عباس للتحرك السياسي. وهناك من يرى أن المؤتمر كان بمثابة انقلاب على بعض الزعامات الوطنية التقليدية أو الزعامات التي كانت تتطالب بالحل السلمي، مثل عبان رمضان ، فرحات عباس و مصالي الحاج ، ومنها من كان في موقع القيادة المتواجدة في الجزائر ومنها من كان قد فر إلى الخارج أو كان في الأسر وقتذاك.

اهم ما نتج عن مؤتمر الصومام هي :

1- إبلاغ الرأي العام الداخلي والخارجي بالأعمال الشرسة التي كان الجيش الفرنسي والمعمّرون " الكولون " يرتكبونها في حق الشعب الجزائري
2 - تدويل القضية الجزائرية لتفلت من طابعها الداخلي الفرنسي.
3 - عزل العدو في الميدان الدبلوماسي .
4 - ربح أصدقاء ومناصرين جدد للثورة .
5 - الحصول على مساعدات مادية ومعنوية ومساندة فعالة من الشعوب الشقيقة والصديقة .
6 -تدعيم مؤسسات الدولة الجزائرية قصد الاعتراف بالنظام السياسي والدبلوماسي لها .
7 - استغلال جميع الوظائف والوسائل المتوفرة من وسائل الإعلام والوسائل الثقافية والرياضية والاجتماعية لدعم الثورة وتقويتها .
8 - الضغط المتواصل ومداهمة الاستعمار أينما كان باستعمال سياسة الإنهاك الإعلامي للقوات الاستعمارية.
ويرى بعض المحللين السياسيين أن التنظيم العسكري والسياسي الحقيقي ، والإعلامي خاصة ، وحتى الدبلوماسي ،بدأ بعد انعقاد مؤتمر"الصومام " في 20 أغسطس 1956 ، إذ أن المؤتمر أحدث تغييرات جذرية سواء في الميدان السياسي والعسكري وحتى المخابراتي والاتصالي ولو كان في بدايته .
ومن هذا المنطلق، صارت الثورة الجزائرية وعلى رأسها الإعلام تلعب دورا حساسا ورئيسيا يتمثل في التصريحات الرسمية التي كان يدلي بها ممثلو الجبهة آن ذاك، وكذلك الندوات الصحفية التي كانوا يعقدونها في مختلف العواصم الأجنبية .
كما استغل ممثلو الثورة في الخارج وسائل الإعلام في البلدان الشقيقة والصديقة للتعريف بالثورة الجزائرية وبأهدافها وأبعادها الحقيقية . فقد نظمت الجبهة برامج إذاعية بعنوان " صوت الجزائر " باللغة العربية من الرباط وتطوان وطنجة بالمغرب الأقصى ، وأيضا في تونس والقاهرة ،علما أن إذاعتي القاهرة وتونس كانتا أولى الإذاعات العربية التي خصصت برامج محددة في فترات ثابتة لإذاعة أخبار الثورة الجزائرية .
وقد ظلت هذه البرامج تذاع حتى بعد إنشاء الإذاعة السرية للثورة في قلب الجزائر سنة 1957 . كما كانت هناك إذاعات للدول الصديقة تُذيع أخبار الثورة الجزائرية بصفة متواصلة وبلغات متعددة ، وفي مقدمتها إذاعة "بودابيست "
التي كانت تذيع برامجها تحت عنوان "صوت الاستقلال والحرية".
وهكذا ، تمكنت المقاومة الجزائرية بفضل حربها الإعلامية والدعائية وتوجيهها من قبل القادة السياسيين والدبلوماسيين المحنكين في الداخل والخارج ، في ظرف قصير، بالرغم من عملها ونشاطها الشاق والعسير ، أن تحقق رواجا وانتشارا كبيرا عبر العالم بفضل كل الوسائل الإعلامية للإتاحة لها بإبلاغ الرأي العام الداخلي والخارجي بما يجري في الجزائر من حقيقة في الأحداث . بحيث أنه في المقابل كانت الإدارة الاستعمارية ومن خلال وسائل إعلامها المتعددة وتصريحات قادتها في الداخل والخارج تحاول أن تبرهن للعالم أن الثورة الجزائرية ليست كما يظن البعض ثورة قومية مستندة على حواروطني وإنما هي عصيان مدني وتمرّد عصابة أشرار مدفوعة من الخارج .
وزيادة في إيهام الرأي العام وتغليطه وتضليله ، توسعت تحليلات الصحف الفرنسية ووسائلها الأخرى للإعلام وخطب المسؤولين هنا وهناك ،إلى إلصاق التهم بالخارج مادة مواتية في العملية الإعلامية والدعائية ، وذلك قصد جلب التأييد الداخلي والخارجي لمساعي الحكومة الفرنسية المستعمرة لوضع حد لهذه الأحداث.
ومن جملة التصريحات الاستعمارية آنذاك والحساسة في العالم الغربي الليبرالي رسالة الخطر الشيوعي الذي أصبح يهدد العالم الحر الديمقراطي ، ومن فروعه المختلفة انتشاره في المناطق الشمالية لإفريقيا بحيث أصبحت نفوذه تتأثر بما تروجه الوسائل المختلفة للدعاية الشيوعية إلى غير ذلك من التضليلات التي كانت عملة شائعة في ذلك الوقت.
وفي هذا الإطار، ومن جملة التصريحات الدعائية، ما جاء في تصريح رئيس الحكومة الفرنسية - مانداس فرانس في واشنطن قائلا :" كان الجو هادئا ، وكل الشر جاء فجأة من إذاعة القاهرة وبودابيست ، وهذا الوضع مثير لقلق دائم لنا ، ومن هذين العالمين يأتي المُهرّجون والمشاغبون، ومنها أيضا تتسرب الأسلحة التي بها تجد الحرب الكلامية امتدادها في الحرب الدموية".
وما كان يعني ذلك إن لم يكن تصريحا مباشرا أو غير مباشر للإعتراف بحرب إعلامية دعائية سيكولوجية تقوم بها الثورة الجزائرية المجيدة بالموازاة مع الكفاح المسلح؟ .
هنالك اتهامات أخرى كانت تروجها الصحافة الاستعمارية بتدعيم مادي ومعنوي من الإدارة الفرنسية وأجهزة استخباراتها تحميل تونس مسؤولية أحداث نوفمبر ، وقد وجدت هذه الأكاذيب والدعايات صدى واسعا في الأوساط الفرنسية بحيث صرح جاك شوفالييه الذي كان نائبا ورئيس بلدية الجزائر العاصمة بما يلي :" إن الهدف من العمليات المسلحة ضد المصالح الفرنسية لهي محاولة تشتيت بهدف فك الحصار على "الفلاقة " الموجودين في الحدود تونسية والذين يتعرضون لضربات الجنرال الفرنسي دولاتور .
وفي نفس السياق ، أشارت الصحافة الفرنسية ، سواء في ( لوفيقارو) أو( لسوار ) إلى تسرب 500 إرهابي تونسي إلى جبال الأوراس، وذكرت أن مهمتهم كانت تدريب الجزائريين على استعمال الأسلحة وخوض حرب العصابات .
واختتمت هذه الحملة باتهام الحكومة التونسية رسميا على لسان روني ما يور أمام الجمعية الوطنية الفرنسية عندما حمّل الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة مسؤولية ما يحدث في الجزائر قائلا :
"إن الخطاب الصحفي الفرنسي كان يعتمد أسلوب الحرب النفسية والدعائية والعمل على تجريد المجاهدين الجزائريين من كل خصلة من الخصال التي يفرضها الظرف الثوري كالبطولة والشجاعة والتضحية والرحمة والشفقة الإنسانية...
وكانت سائل العمل الإعلامي والدعاية للثورة الجزائرية تتمثل في الرد السريع على جميع الأكاذيب، واستنكار أعمال الاستفزاز وتعريف أوامر الجبهة مستعملة عد ة طرق للعمل الإعلامي منها:
1 - توزيع منشورات ومطبوعات كثيرة ومتنوعة في جميع الدواوير والقرى المحاصرة من طرف الاستعمار ، كما كان الشأن كذلك في المدن بطرق أخرى ، سواء عن طريق الصحافة، الإذاعات العربية الشقيقة والصديقة التي كانت تبث برامج الثورة .
2 - وهكذا ، فقد شكلت مناشير الثورة ووسائل الإعلام مهما كانت بسيطة أسلوبا راقيا للتأثير السياسي والمعنوي على الجماهير، حيث كانت تنطلق دائما في تحليلات وتعليقات من مبدأ أن التفاف الجماهير حول الثور هو الوسيلة الوحيدة لتمكين الثورة من تحقيق النصر، بحيث أصبحت الجماهير مقتنعة بضرورة دحر العدو من أجل النصر أو الاستشهاد.
3 - وقد تمكن الإعلام المباشر والاحتكاك مع الشعب الجزائري والشعوب الأخرى بفضل تضحية وشجاعة المجاهدين على مواصلة تبليغهم رسالة الثورة ، وذلك بالرغم من الأخطار التي كانوا يتعرضون لها أثناء تأدية مهامهم ، منها :
4- رفع معنويات المواطنين.
5- اعتقاد المواطنين أن المجاهد بصلة دائمة مع الشعب وأنه لا يقهر.
6 - تجاوب الكثير من جنود ما كان يسمى باللفيف الأجنبي مع نداءات جبهة التحرير الوطني وذلك بفرارهم مع وحداتهم والتحاقهم بصفوف جيش التحرير الذي كان يطلق سراحهم عبر الحدود قصد الالتحاق بذويهم.
7 - التأثير في أوساط المعمرين نتيجة بث الدعاية بواسطة عمال المزارع الذين كانوا يضخمون وسائل قوات جيش التحرير وإمكانيات الثورة ، حيث أصبحوا خوفا منهم ، يستجيبون لطلباتهم في كثير من المناطق والتستّر عليهم في الأوقات الحرجة .
هكذا كانت الحرب الإعلامية للمقاومة تأخذ مجراها بالتوازي مع الضربات في ميدان المعركة ، وهي التي ادخلت الدبلوماسية الجزائرية الى الجمعية العامة للامم المتحدة أثناء مناقشات الجمعية العامة ومعركة مواجهة الرأي العام الدولي ابتداء من سنة1957 التي كانت تسمى سنة الجزائر في الأمم المتحدة، حيث طرحت القضية الجزائرية ، وصارت تطرحها كل سنة . وعلى هذا الأساس ، صار عدد أنصار الجزائر الثورية يتزايد في كل مرة ، في حين كان موقف فرنسا يتقهقر حتى أمام حلفائها.
أن حرب الجزائر هي التي خلقت حركات التحرير في إفريقيا وعجّلت باستقلال كل الدول الإفريقية الأخرى بعدما كانت في سبات عميق أيقظتها هذه الثورة بضجيجها وتساءلت عما يجري في شمال إفريقيا ، مما جعل فرنسا تتخلص من مستعمراتها بالجملة الواحدة تلو الأخرى لتتمسك بالجزائر. "
وهكذا جاءت الفائدة مزدوجة من تجربة هذه الثورة المجيدة التي كانت رائدة في الكفاح ضد الاستعمار ، فانعكست آثارها الحسنة والإيجابية على معظم شعوب العالم الثالث ، وخاصة في إفريقيا ، آسيا وأمريكا اللاتينية.
يتبع .......

الحرب الاعلامية ( الحرب الاعلامية الثورة الفلسطينية ) الجزء الرابع


كما وعدتكم سابقا بإطلالة على انواع الاعلام المقاوم وبعد الجزء الاول لحروب الرسول الإعلامية ثم الحرب الإعلامية وثورة العشرين اكمل لكم الجزء الثالث عن نوع اخر من الاعلام المقاوم وهو اعلام الثورة الفلسطينية الذي يعد من انجح وأفضل طرق الإعلام في العصر الحديث على الرغم من انه يواجه ماكنة إعلامية اكبر وأوسع واكثر قدرة وامكانية منه لكنه صمد بوجه هذا الوحش الإعلامي الذي يديره اغنى الشركات الاعلامية اليهودية في العالم من مؤسسات مردوخ وغيرها وعلى الرغم من محدودية الإمكانات الا انني ارى انهوا كان انجح من الاعلام المعادي في ايصال رسالته الاعلامي فقد ظل الاعلام الفلسطيني موضع اهتمام الثورة منذ انطلاقتها، وأولت كل الفصائل الإعلام اهتماما خاصا يقارب اهتمامها بالعمل العسكري، وركزت اسرائيل في فترة من الفترات على رموز الاعلام الفلسطيني والمثقفين لاغتيالهم، بسبب دورهم الاعلامي المميز، ولهذا اغتالت غسان كنفاني باعتباره الصاعق المفجر للوعي الفلسطيني والاعلامي، وكمال ناصر ووائل زعيتر ومحمود الهمشري، وحاولت اغتيال بسام ابو شريف وربما حاولت اغتيال آخرين، وشاركت في اغتيال ناجي العلي، وأُهمل الاعلام بعد قيام السلطة وكأن القضية حُلت ولا وجود لهموم فلسطينية، لكن الاعلام الموجود ظل رافعة القضية واجتهد منفردا وقاتل جنبا إلى جنب مع السلطة في معاركها التفاوضية وصداماتها مع الاحتلال.
والقضية الفلسطينية المعاصرة جذورها في السياسة التي اتبعتها عصبة الأمم, سالفة هيئة الأمم المتحدة, خلال فترة توليها المسؤولية عن إدارة فلسطين. فقد صدر تقرير لجنة دولية تشكلت بموافقة عصبة الأمم عام 1930, وتضمن تحليلاً يمكن تعريفة بالاقتراب الأقصى من الموضوعية فيما يخص تاريخ فلسطين القديمة.
أما الواقعة التي تنعكس في كل تعليق على القضية الفلسطينية, فهي نكبة الشتات الجغرافي وأسباب النهب الاجتماعي والثقافي. تتصف المواقف العربية بعد كارثة 1948 عامة بالمقاومة المستمرة للاحتلال الإسرائيلي. وكانت هذه أيضاً مواقف الشعب الفلسطيني من الكارثة التي طرأت عليه في العام نفسه. ولم تتجسد نتائج حربي 1948 و 1967 في فقدان الأرض فحسب, بل كانت لها أبعاد قومية واجتماعية كذلك.
وفي مطلع الخمسينات في ظل نهوض حركة التحرير الوطني للشعوب العربية ظهرت حركة القوميين العرب التي أسس فروعها في معظم الأقطار العربية, ثم التحق عدد من أعضائها في نضال حركة التحرير الوطني الفلسطينية بشكل فعال عدة سنوات بعد ذلك, حيث أسسوا ثلاث من أكبر الفصائل الفلسطينية التي ما زالت تنشط حتى الآن, أو وهي : الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين, والجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة.
وقد بدأت المقاومة الفلسطينية تكتسب طابعاً منظماً منذ أواسط الستينات, ومن الناحية الثانية ابتدأت في نفس الفترة عملية الاعتراف الرسمي بالحركة الفلسطينية, وذلك عام 1963, لما اعترفت جامعة الدول العربية بمبادرة من جمال عبد الناصر بوجود الفلسطينيين "شعبا ذا تقرير مصيره وجزءا لا يتجزأ عن الأمة العربية" . وقد تكلفت جميع الدول الأعضاء في الجامعة بتقديم الدعم الشامل إلى الفلسطينيين في النضال من أجل استعادة حقوقهم الوطنية المنهوبة.
وفي كانون الثاني/ يناير 1964 أقرت القمة العربية في القاهرة إقامة منظمة التحرير الفلسطينية كممثل رسمي للشعب الفلسطيني وذات العضوية الكاملة في الجامعة العربية, كما أن القرار نص على تمويل المنظمة وإقامة جيش التحرير الفلسطيني في إطارها.
وقد انعقد المؤتمر الفلسطيني الأول في آذار 1964, والذي تحول إلى الدورة الأولى للمجلس الوطني الفلسطيني ( برلمان المهجر) . وقام المؤتمر بانتخاب اللجنة التنفيذية لـ منظمة التحرير الفلسطينية .
وبعد المؤتمر بشهر نشر النظام الداخلي للمنظمة التي ترأسها أحمد الشقيري. وقامت قوات العاصفة, وهي التشكيلية العسكرية لفصيلة "فتح" بأول عملية عسكرية في الأراضي المحتلة في منظمة بحيرة طبرية في عشية رأس سنة 1965, وتعتبر هذه بداية المقاومة الفلسطينية المعاصرة. وقد أسس مجموعة من فلسطيني الأراضي المحتلة حركة تحرير فلسطين (فتح) عام 1965 في غزة, وكانت (فتح ) فصيلا عسكرياً سرياً في البداية, على غرار جبهة التحرير الوطنية الجزائرية التي استعارت منها عدداً من أساليب وأشكال نضالها الفدائي. ثم أن الوحدات القتالية الفلسطينية المتصفة بضعف التنظيم والتفتت وسوء التسلح, قد تحولت تدريجياً إلى قوة قيادية في حركة المقاومة الفلسطينية.
وأثر حرب حزيران 1976 احتلت إسرائيل عموم أراضي فلسطين العربية الواقعة تحت الانتداب البريطاني سابقاً. كما أن الحرب قد أسفرت عن الموجة الكبيرة الثانية من المهاجرين الفلسطينيين الذين ساروا في دروب التشريد, وقد تحول مليون ونصف مليون مهاجر إلى اللاجئين , الذين عرفوا بـ( اللاجئين الجدد) للتمييز بينهم وبين ( اللاجئين القدامى ) من الحرب الأولى بين العرب وإسرائيل عام 1948.
وتم إيقاف حرب حزيران بتدخل مجلس الأمن الدولي, الذي دعا إسرائيل لتسهيل عودة اللاجئين والالتزام بمعاهدة (جنيف) الرابعة من عام 1949. ونص قرار 242 لمجلس الأمن الدولي الصادر بتاريخ 22/11/1967 على عد شرعية استلام الأراضي عن طريق الحرب.
وقد ضعف نفوذ القيادة التقليدية لـ منظمة التحرير الفلسطينية وأحمد الشقيري بعد العدوان الإسرائيلي عام 1967 فوقف ياسر عرفات على رأس المنظمة.
لم تؤد هزيمة البلدان العربية إلى حرف الشعب الفلسطيني عن ونواياه, بل بالعكس تماماً, فقد أعطت دافعاً جديداً لحركة التحرير الوطني, التي فرضت نفسها بحزم كونها عاملاً سياسياً وعسكرياً مستقلاً على ساحة الشرف الأوسط. وأصبحت القوات المسلحة التابعة لـ( فتح) تمثل القوى الكبرى للمقاومة الفلسطينية. وعملت الفصائل الفلسطينية على تنشيط فعالياتها السياسية وسط جماهير الشعب من أجل رفع وعيها القومي واستعدادها القتالي. وفي سياق نمو المقاومة ظهر توجه الفصائل الفلسطينية المختلفة نحو التحالف , إلا أن عقبة هامة كانت تعرقل تحالفها , وهي تكمن في البنية الاجتماعية والبرامج السياسية المتباينة للفصائل المختلفة, وصيغها المتمايزة لحل القضية الفلسطينية والنزاع في الشرق الأوسط.
وقر أقر الميثاق الوطني الفلسطيني سنة 1968, والذي حدد الحقوق التي يناضل الشعب الفلسطيني في سبيلها , ألا وهي : تقرير المصير والاستقلال الوطني والسيادة على فلسطين والعودة واستعادة الممتلكات في فلسطين , هذا بالإضافة إلى حق استخدام أساليب الكفاح المسلح من أجل إحراز هذه الأهداف.
وفي الوقت نفسه تصاعدت الحملات السياسية والدولة لـ م. ت. ف. والتي ظلت تحتفظ بالمستوى العالي لسمعة القضية الفلسطينية على الصعيدين الأوروبي والعالمي. وكانت م. ت. ف . قد حظيت باعتراف بها كأمر واقع من عدد من الدول يتجاوز عدد الدول التي تقيم العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل . كما أن صوت المقاومة بدأ يرتفع من جميع المحافل الدولية الكبيرة. وظلت إسرائيل تتابع كل ذلك بقلق متزايد, إذ أنها اقتنعت بعجزها عن قهر المقاتلين الفلسطينيين حتى عن طريق اغتيالات قادة المقاومة ودبلوماسييهم, وكانت المراكز السياسية وهيئات الأركان العسكرية الإسرائيلية قد بدأت بتخطيط عملية كبيرة من أجل القضاء على الوجود الفلسطيني في لبنان, وقد تم توجيه الضربة في أوائل حزيران 1982, وكانت هذه عملية عسكرية واسعة النطاق اشتملت على الجنوب اللبناني وصولاً إلى بيروت
تاريخ الصحافة الفلسطينية, إذا أن إقامة ونشاط الإذاعة الثورية الفلسطينية لا يمكن فصلها عن التطور العام لوسائل الإعلام الجماهيري التي سبقتها فقد اعتمدت الإذاعة دائماً على خبرة كوادر هذه الوسائل الإعلامية. ولذلك من الضروري تحديد المراحل الأساسية في نشوء هذه الوسائل وتطورها في ضوء ظروف الحياة السياسية داخل البلاد وخارجها, فبدون عزل وتحليل كهذا لن ندرك الأسس التي أقيمت عليها الدعاية والإعلام الإذاعيان الثوريان الفلسطينيان لاحقاً وحتى يومنا هذا .
وتنبثق أهمية هذه العلاقة من أن الإذاعة التي نشأت في فترة متأخرة, لم تعتمد على خبرة الصحافة ولم تستمد كوادرها من صفوف الصحافيين في الجرائد فسحب, بل وتمتعت في سياق تطورها ونشاطها بدعم الصحافة وأنظمتها الإعلامية.
وقد مرت الصحافة العربية في فلسطين بأربع مراحل تاريخية في نشوئها وتطورها, ابتدأت المرحلة الأولى منها بظهور الصحف باللغة العربية في القدس عام 1876, في عصر الحكم العثماني, وانتهت هذه المرحلة بإيقاف إصدار هذه الصحف في بداية الحرب العالمية الأولى عام 1914, كانت الصحف الأولى باللغة العربية رسمية. فقد عملت الحكومة العثمانية على إصدار صحيفتين رسميتين, هما "القدس الشريف" باللغتين العربية والتركية وصحيفة الغزال باللغة العربية فقط, وكان الشيخ علي الريماوي يترأس تحرير الصحيفتين العربي. ولم ينتظم صدور أعدادهما . لقد تأخر نشوء الصحافة الوطنية الفلسطينية حتى أوائل القرن العشرين بسبب سياسة التمثيل التي انتهجتها الحكومة العثمانية.
تعتبر سنة 1908 نقطة الانطلاق للصحافة الفلسطينية, حيث صدر الدستور العثماني الذي تضمن مادة تسمح بإصدار الصحف باللغة العربية, بالإضافة إلى بعض الحريات الأخرى.
وقد بلغ عدد الصحف الصادرة حتى بداية الحرب العالمية الأولى 36 صحيفة سياسية وأدبية وفكاهية.
أما المرحلة الثانية: في تطور الصحافة الفلسطينية فامتدت من 1919 إلى 1948 وشهدت مودتها إلى الوجود في ظل الانتداب البريطاني. فقد طرأ على الصحافة في هذه الفترة نهوض سريع رغم الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية المزعزعة في البلاد. ومما ساعد على ذلك تطبيق اللغة العربية كونها إحدى اللغات الرسمية الثلاث في مدارس فلسطين. وكانت 241 جريدة ومجلة تصدر في تلك الفترة في فلسطين, منها 41 صحيفة باللغة العربية" ألا أن أصحابها كانوا أجانب, بينما كانت 5 صحف تصدر بلغت أجنبية وكان أصحابها عرب. وتنوعت الصحف بين السياسية والاقتصادية والأدبية والدينية بالإضافة إلى الصحف ذات المحتويات المختلطة , وهذه ظاهرة تمتاز بها فلسطين عن باقي البلدان العربية المجاورة. وقد شهدت الصحافة السياسية النمو الأكبر.
أما المرحلة الثالثة: في تطور الصحافة الفلسطينية, فقد اشتملت الفترة ما بين 1949 و 1967 .
و المرحلة الرابعة: بعد حرب 1967 وهي مرحلة ما بعد النكبة وقيام الكيان الصهيوني
فقد أدت الصحافة الفلسطينية دورها هذا بشكل ناجح رغم كل الآراء الانتقادية القائمة, حيث أن الصحف الرئيسية نشرات فرعية تابعة لها , وتطورها بصورة واسعة ومخططة الصحافة التي تصدر يومياً وأسبوعياً وكل أسبوعين, بالإضافة إلى المجلات الشهرية والمجلات التي تصدر في فترات أطول, أمثال فلسطيننا ونداء الحياة , و العاصفة , و المحرر , و أخبار فلسطينية, بالإضافة إلى مجموعة متكاملة من النشرات الإخبارية المطبوعة ألخ
صحيفة فلسطين الثورة اليومية, التي كانت تصدر في بيروت عام 1982, أما حالياً فتصدر في نيقوسيا بقبرص, وهي منبر وحدة الشعب وتطوير وتحقيق برنامج التوحيد ووحدة أعمال مختلف فصائل الثورة, فالصحيفة تنتشر بشكل واسع وسط الجماهير وتمتلك كل مواصفات الجريدة الشعبية المقاتلة مثل عزل المسائل الملحة والحدة السياسية ولهجة المناقشة والروح الأممية والإطلاع الواسع.
إلى جانب الصحيفة اليومية تصدر الثورة الفلسطينية كمجلة شهرية تعرض قضايا النضال من الناحية النظرية, بالإضافة إلى تعميم الخبرة وإلقاء الضوء على القضايا الإيديولوجية والسياسية والتمسك بإستراتيجية وتاكتيك الوحدة الشعبية. وهي أكثر المجلات الفلسطينية انتشاراً..
ففي إطار منظومة وسائل الإعلام الجماهيري التابعة للثورة بشكل عام والصادرة عن م. ت. ف تصدر أيضاً مجلة فلسطين بثلاثة لغات أجنبية ( الإنجليزية, والفرنسية, والإسبانية) وذلك مرتين في الشهر, فقد تمكنت من اكتساب دائرة جادة من القراء على الصعيد الدولي حيث تتمتع بسمعة كونها نشرة إعلامية سياسية اجتماعية حول قضايا قاعدة الوحدة والأعمال الموحدة لـ م. ت. ف .
أما وكالة الأنباء الفلسطينية ( وافا) فهي الناطق الرسمي باسم منظمة التحرير الفلسطينية كما أنها تستلم وتوزع المعلومات على حلقات الدعاية والإعلام الموحد في إطار المقاومة, والتي ليست لها وحدات موازية في أي من الفصائل الثماني ضن م. ت. ف.
يعتمد الجهاز الإعلامي للمقاومة الفلسطينية على الدعم المادي والمعنوي الذي تقدمه إليها الحكومات العربية وعدد من الدول الأخرى, حيث أن الصحافة الفلسطينية تستلم منها آلات الطباعة والورق والمنح الدراسية لإعداد الكوادر.
بينما كانت المصاعب في وجه الصحافة الوطنية في مرحلة النضال السلمي تنحصر على الملاحقات والمصادرات وإلقاء الصحافيين في السجن, فقد ازداد وضع الصحافيين ووسائل الإعلام في المقاومة الفلسطينية المسلحة صعوبة وبشكل ملحوظ. حيث أنهم تعرضوا للمطاردات , بل للتصفية الجسدية, وأصبحت الصحف مهددة بالإغلاق . ومثال على ذلك اغتيال غسان كنعان, الكاتب والروائي والرسام, الذي وضعوا قنبلة في سيارته, شأنه شأن ماجد أبو شرار, الذي انفجرت قنبلة في سريره, وكان من مسئولي وسائل الإعلام الجماهيري الفلسطينية . وفي روما اغتيل وائل زعيتر, كما اغتيل عبد الوهاب ألكيالي , الكاتب و المؤرخ, إلى جانب عدد من الآخرين.
تحولت الصحف الفلسطينية إلى العمل السري بعد الاحتلال الصهيوني لفلسطين سنة 1948 ونضيف إلى ذلك عمل الصحافيين الفلسطينيين في صحافة البلدان العربية الأخرى.
فالقضية الأكثر إلحاحاً التي ناقشتها الصحافة خلال الخمسينات, كانت قضية الوحدة العربية وتحرير فلسطين, وجاءت قضية التطور والعدالة الاجتماعية في المرتبة الثانية.
الاتجاه الأول ضرورة تكريس وسائل الإعلام الفلسطينية لإنجاز الهدف الرئيسي والمتكامل للمقاومة الفلسطينية, والمتمثل في تحرير البلاد من الاحتلال الإسرائيلي . كما أن هذا الاتجاه رأى المهمة الرئيسية لوسائل الإعلام الجماهيري الفلسطينية في إقامة وحدة سياسية وفكرية متكاملة في فلسطين وتشجيع المبادرات الهادفة إلى توحيد الفصائل الفلسطينية وتعبئة الشعوب العربية في خدمة هذا الهدف.
أما الاتجاه الثاني: فقد قدر أن المسألة الأساسية التي تواجه وسائل الإعلام في مرحلة النضال التحريري تكمن في إسهامها في تحقيق العدالة الاجتماعية, وفي اعتقاد المنتمين إلى هذا الاتجاه أن وسائل الإعلام الجماهيري جزء لا يتجزأ عن وسائل النضال الفلسطينية وتتحمل المسؤولية المزدوجة أمام شعبها الذي تكثر وتتعقد مشاكله الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية.
وفي اعتقاد الاتجاه الثالث أن المهمة الأولية لوسائل الإعلام الفلسطينية في مرحلة النضال من أجل التحرير الوطني ترتبط بتعميق الممارسة الديمقراطية, وذلك عن طريق المزيد من حرية التعبير والانتقاد. ويطرح أنصار هذا الاتجاه عدداً من الشروط لضمان الجو الديمقراطي الذي من شأنه أن يتيح لوسائل الإعلام الجماهيري الفلسطينية أن تمارس دورها التاريخي في تشكيل اتجاهات الرأي العام الفلسطيني والتعبير عنها تعبيراً صادقاً وحراً. وهذا ما من شأنه تأمين وضمان مساهمة الأغلبية من الجماهير الشعبية الفلسطينية في صنع القرارات السياسية وتغيير وجه الواقع الاجتماعي والثقافي الفلسطيني بشكل يتفق مع تراثها العريق ومصالحها المعاصرة. ففي المكان الأول بين هذه الشروط تبرز ضرورة وجود صحافة فلسطينية موحدة, تعبر عن مصالح وأفكار القوى الاجتماعية المختلفة التي تكون المجتمع الفلسطيني
وفي ضوء ذلك فقد تم إيلاء اهتمام خاص للإذاعة, كون أنها ظاهرة من الظواهر المميزة لقرننا الحالي ووسيلة جديدة تضاف الى طرق المواصلات الجماهيرية , وخصوصاً إذاعة المقاومة الفلسطينية ومكانتها ودورها في الحركة التحريرية.
من المعروف أن الإذاعة استقرت باعتبارها وسيلة من أقوى الإعلام والتي تؤثر على الجماهير بصورة أقوى . وقد بدأت الإذاعة تتطور منذ عشرينات القرن العشرين في البلدان الصناعية المتطورة , وذلك لا جاء تحسن أجهزة الاتصال ليمكن من نقل الصوت البشري عبر الأثير. ومنذ أواسط الثلاثينات تحولت الإذاعة إلى وسيلة اتصال أساسية في معظم الدول الغربية, حيث تستعمل في مجال الإعلام والتعليم والترفيه والدعاية التجارية.
ففي البلدان النامية, بما فيها البلدان العربية شأنها شان باقي أجزاء العالم ظهرت في الفترة نفسها برامج إذاعية قائمة على هيمنة الحكومة في هذه البلدان. حيث كانت الإذاعة أساساً تخدم تعزيز السلطة الاستعمارية للحكومة العملية المتعاقبة. وفي الثلاثينات ابتدأ الاستعمال الواسع النطاق للإذاعة لأغراض الدعاية السياسية.
مما لا شك فيه أن الإذاعة قادرة على التواصل إلى كل بقعة من بقاع الأرض وإلى مختلف الفئات والشرائح الاجتماعية, الكبار منها والصغار, والمثقفين وذوي التحصيل العلمي الأدنى, بينما هذه الفوارق قد تسبب الصعوبات بالنسبة لبقية وسائل الإعلام. أما الإذاعة فلا تتطلب بذلك أي جهود من المستمعين , وهكذا لعدد من الناس تعتبر الإذاعة الوسيلة الوحيدة في متناولهم والتي توفر لهم المعلومات عما يجري حولهم. كما أن الإذاعة قادرة على إشراك الناس في الأحداث, إذ أنها تقترب من الاتصال المباشر للفرد بالفرد, ثم أن تأثير الإذاعة أكبر بكثير مما هو عليه في آلة عرض المطبوعات على ناس أقل ثقافة وتعليماً. أي أن الإذاعة من أسهل وسائل الإعلام وأكثرها ملائمة

تعتبر فلسطين من البلدان العربية الأولى التي تبنت الإذاعة قوة ثقافية ووسيلة للتأثير على الجماهير. من المعروف أن فلسطين ظلت تحت الانتداب البريطاني منذ الحرب العالمية الأولى. إلا أن تلك الفترة تميزت إيضاً بالنهوض الثوري الكبير الذي اكتسب قوة خاصة في فلسطين والوطن العربي. فبعد أن دخلت القوات البريطانية فلسطين في عام 1914, أصبح الرأي العام يحس بالتخلف مقارنة مع الشعوب الأخرى, وزادت مطالبة برفع الحظر عن استخدام وسائل الإعلام الجماهيري, هذا بالإضافة إلى تعبير أوساط الأعمال المحلية عن نفس المطلب. وتحت هذا الضغط وجدت السلطات البريطانية نفسها مضطرة لتسريح استخدام وسائل الإعلام, وذلك في الفترة ما بين 1929 و 1936. وقد افتتحت محطة الإذاعة الفلسطينية ذات قدرة 20 واط وكانت تسمى بـ هنا القدس , وتم بث أول برنامج إذاعي باللغة العربية في شهر نيسان 1939. وتم تعيين الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان مديراً للبرنامج العربي
كانت برامج إذاعة هنا القدس في أوائل 1937 قابلة للالتقاط في القدس وضواحيها, هذا بالإضافة إلى أن أجهزة الراديو القوية كانت قادرة على التقاطها في مدينة رام الله وغيرها من المدن الفلسطينية وصولاً حتى إلى بيروت ( بواسطة جهاز بث قوي تبلغ قدرته20 ها, 1, 449م, ما يساوي 668كها) . فالإذاعة الفلسطينية رغم الوسائل الفنية البدائية التي تمت بها والظروف غير الملائمة إطلاقاً التي عملت في ظلها, كانت رائدة في مجال وضع البرنامج الفلسطيني.
كان البث في الفترة ما بين 1939 و 1948 يستغرق 10 ساعات ونصف ساعة يومياً, منها أربع ساعات ونصف ساعة باللغة العربية وثلاث ساعات ونصف ساعة باللغة العبرية وساعتين و نصف ساعة باللغة الإنجليزية وهو برنامج متكون من الإعلانات التجارية والأخبار من نشرات إذاعة بي بي سي , والحوارات والموسيقى الشعبية والترفيهية وللرقص, والمسرحيات الإذاعية. كان عدد أجهزة الإذاعة في فلسطين في تلك الفترة 21 ألف جهاز . أما بعد إقامة ما سمت بدولة إسرائيل بتاريخ 15 أيار 1948, وتقسيم مدينة القدس إلى قسمين عربي وإسرائيلي بالإضافة إلى تقاسم بقية الأراضي الفلسطينية فيما بين البلدان العربية, فقد ظلت إذاعة "هنا القدس" تحت إشراف المملكة الأردنية فأصبحت تسمى بـ "الإذاعة الأردنية" من القدس ورام الله , وذلك حتى سنة 1967
نشاط إذاعة المقاومة في فترة التفاقم الأكثر حدة لأزمة الشرق الأوسط فيما بين 1968 و 1982 , وهي فترة معقدة للغاية شهدت الضغط القوي على لبنان من الخارج – من طرف إسرائيل , ومن الداخل – من القوة اليمينية, فقد تعرضت المقاومة الفلسطينية للضربات المتلاحقة والتي أجبرتها على التنقل المتكرر لأجهزة البث التابعة للإذاعة, وهي عملية تصاحبها المصاعب البالغة. وقد أدى التغير الظروف إلى تغيير جدول البرامج الإذاعية , كانت هذه فترة تعاقب المراحل السلمية نسبياً بمراحل يغلب فيها الجمع بين العمليات العسكرية والنشاط السياسي, وبين الدبلوماسية والخطوات الدعائية ومراحل الكفاح المسلح الطويلة.

1. اكتشاف واستخدام أصوات جديدة تماماً. لم يسبق أن دوت بأي من المحطات الإذاعية العربية , حتى يبان أنها محطة جديدة للإذاعة الفلسطينية.
2. عمل الإذاعة بحماس وسرعة من أجل النقل الفوري للأخبار والتعليق الموجز والدقيق عليها.
3. إذاعة مواد ذات طابع متماسك ونضالي وهجومي, من شأنها أن تقول أهم ما هو في اللحظة.
4. بعث الإذاعة للثقة لدى الناس بقوة الجماهير وبالنصر النهائي, بالإضافة إلى مكافحة كل ما من شأنه أن يبعث اليأس واللامبالاة. كان هذا هو الاصطدام الرئيسي للنضال. حيث أن المناضلين الشباب لم يواجهوا المحتلين فحسب بل واجهوا اليأس المنتشر في بعض الأوساط والقصور الذاتي الناتج عن معاناة طالت عقوداً كاملة.
5. إيجاز المواد واستجابتها لمستوى الجميع وقابليتها للفهم من أوسع فئات المستمعين,أي أن تكون المواد موجهة إلى الجميع وليس إلى كوادر الثورة. وكانت تفعل قوانين فولاذية: عدم تجاوز المراسلة أو التعليق الأطول لمدة 5 دقائق وعدم تجاوز أطول أغنية لمدة 3 دقائق , وتشكيل نشرات الأخبار بأسلوب البرقيات.
بذلك أعلنت المقاومة الفلسطينية عن وجودها في الأثير أيضاً منذ 11/5/1968. وكانت هذه هي البداية, ومهما حدث لاحقاً, أن صوت فلسطين لم يسكت حتى ليوم واحد.
وكانت المهام كبيرة ومعقدة, ألا وهي: التمسك باستقلالية الحركة التحريرية الفلسطينية في مواجهة مختلف المطامع الخارجية, وتوضيح إستراتيجية النضال وتكتيكه وخط المقاومة المسلحة, المقصودة للمعلومات وأعمال التخريب الإذاعي ومن ثم بداء الاعلام الفلسطيني يدخل حيز اخر وهو حيز التلفزيون والاعلام الفضائي عبر فضائية الاقصى وغيرها من الفضائيات الفلسطينية وهناك نيه لانشاء محطة فضائية فلسطينسة اخرى غير الاقصى
الانقلاب الاخير
منذ عسكرة الانتفاضة بعد عام 2000 وبعد فشل مقدمات أوسلو المتلاحقة في إرساء دعائم دولة ذات سيادة وحصار رئيس السلطة المنتخب ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية أبو عمار وبعد المضي في الحصار إلى مرحلة التسميم والوفاة تدرج المستوى الاعلامي والخطاب السياسي بين القوى المنصاعة لاتفاق أوسلو ومنظورها التفاوضي وموقفها من المقاومة ومنظور صناع القرار المقاوم وما تناوله من أدوات إعلامية في اتجاه الآخر المهم هنا أن أبو عمار أفاق من الخديعة الكبرى وقبل أبو عمار أن يدفع حياته ثمنا لهذه اليقظة والاستيقاذ ولو كان متآخرا ً فإنطلقت كتائب شهداء الأقصى في عمليات مثلت تغير نوعي في المواجهة مع العدو الصهيوني ومعها فصائل المقاومة الاخرى إلا أن هناك تيار في داخل حركة فتح كان يعيش في اريحية في مظلة أوسلو وحاز على مكتسبات متعددة ، تنكر للمقاومة وللمقاومين بل حاول التبخيس في انجازاتها وطريقها ووسائلها والنتائج التي يمكن أن تحققها ومضى هذا التيار ليصنع مظلة من الوهم الاعلامي انه على حق وأنه يتصف بالواقعية في حين ان الشعب الفلسطيني سواء خارج الوطن او داخله وقع ضحية لهذا الخطاب وهذا السلوك واستند في حجته الاعلامية على ان الصواريخ “صواريخ عبثية “ وتارة أخرى كرتونية ”
أعتقد ان الساحة الفلسطينية تعيش بمؤثر إقليمي متكامل بل دولي أيضا ً ولكل مؤثر شروطه ومعطياته وآلياته وفي النهاية يقع الشعب الفلسطيني بين تيار التسوية وتيار التهدئة ، لا يوجد نضوج نضالي ينبثق عنه نضوج سياسي في الساحة الفلسطينية وكلا الاطراف المتحكمة في الارادة الفلسطينية تتجاهل عمق الحقيقة الفلسطينية بانه بحاجة إلى قرار صارم والقرار الصارم يحتاج الى قيادة مضحية كما يضحي الشعب الفلسطيني بأبنائه على مذبحة الحرية والكرامة .
من الصواريخ العبثية إلى الصواريخ المسمومة فهل نجد في الساحة الفلسطينية الآن التيار الثالث وهو الوجه الحقيقي للمقاومة الفلسطينية وأريد ان أسال هنا هؤلاء لقد مضى على المقاومة العراقية سنوات من القتال المتعدد الجوانب مع الاحتلال وقواه ولم تضع المقاومة العراقية برنامج سياسي تفاوضي مع الاحتلال أتعرفون لماذا لان المقاومة العراقية حددت مستويات الفعل والنتائج ولأن المقاومة العراقية تعرف ان مازال هناك من الوقت لكي تتحقق فكرة الجلوس على مائدة التفاوض المباشرة أو الغير مباشرة في ظل اتزان أمني وعسكري ولذلك لم تخرج المقاومة العراقية ببرنامج تفاوضي مع قوى الاحتلال لحتى الآن رغم ان المقاومة العراقية أنهكت وأهلكت الجانب الكبير من قوى الغزو وأدواته .
الشعب الفلسطيني يقع تحت تأثير قيادات تحب ان تستثمر اي منجز على أول محطة ولذلك الشعب الفلسطيني يخسر باستمرار بدء من أصحاب نظرية الصواريخ العبثية إلى اصحاب فكرة الصواريخ المسمومة .
وهذه نقطة غير جيدة في تاريخ الاعلام الفلسطيني المقاوم اذ تحول الاعلام الفلسطيني من اعلام مضاد للعدو الى اعلام لتصفية الحسابات بين هنية وعباس نحن نامل من الاعلام الفلسطيني ان يعود الى سابق عهده واوج عظمته حينما كان يدار من ناجي العلي وغسان كنفاني ووائل زعيتر وكمال ناصر ومحمود الهمشري وبسام ابو شريف فهلاء الحكام يذهبون وتبقى قيم الاعلام هي الراسخة في اذهان الجماهير
تحية للاعلام الفلسطيني المقاوم والرحمة لشهداء المقاومة الفلسطينية
يتبع ...............

الحرب الاعلامية ( معركة القادسية والاعلام ) الجزء الخامس

الحرب الاعلامية ( معركة القادسية والاعلام ) الجزء الخامس

في هذا الجزء سنخوض في مجال واسع وعريض من نماذج الحرب الاعلامية وهي الحرب الاعلامية بين العراق والفرس في معركة القادسية في الحقيقة بداءة هذه الحرب قبل الشروع بالعمليات العسكرية بل ممكن القول انها بداية قبل وصول الخميني والعمائم الى السلطة في ايران وفي لمحة تاريخية للصراع نوجز مايلي :
تعود جذور الحرب العراقية الإيرانية إلى قرون مضت، ويعتقد أن تبعاتها ستستمر لقرون قادمة وما يعيشه العراق اليوم من هيمنة إيرانية واضحة على مقدراته لا يخرج عن إطار هذا التاريخ أبدًا، إلا أن الأهم هو الإشارة إلى ما بعد سقوط العهد الملكي في العراق في عام 1958 التي راحت ضحيتها العائلة المالكة في العراق وقادت عبد الكريم قاسم للوصول الى السلطة، وكان قاسم اول من طالب بحقوق سكان الاهواز العرب (محمرة وخرامشهر) حيث كانت جزءًا من العراق قبل أن تسلمها الدولة العثمانية في زمن ضعفها لإيران . مما دفع الشاه الى استخدام قواه العسكرية للتمدد على حساب الاراضي العراقية فاحتل الكثير من الاراضي العراقي وساعد الحركات الانفصالية في الشمال بالسلاح والمال والتدريب كما تمدد بنفوذه الى ان وصل الى الضفة الشرقية من شط العرب و كان قرار إيران بالسيطرة على جزء طنب الصغرى وطنب الكبرى وابوموسى بعد انسحاب بريطانيا من الامارات، قد تسبب في اتخاذ العراق وعدد من الدول العربية قرارًا بقطع العلاقات الدبلوماسية بينها وبين ايران، وهو الامر الذي اضاف سوءًا على سوء العلاقات العراقية الايرانية وكان القرار بإقفال تلك القضية والقضاء عليها عام 1975 عبر توقيع اتفاقية بين الشاه وصدام حسين، وقبل ذلك كانت القوات الايرانية قد بدأت هجومها على القوات العراقية ووقع ضحايا كثر في صفوف كلا القوتين عام 1974، ومما يذكر في تلك الفترة أن وزير الخارجية الاميركي هنري كيسنجر قد نصح صديقه الشاه بمهاجمة العراق عن طريق الجنوب لقطعه عن الخارج عبر استهداف اطلاله على الخليج اولاً، ثم التقدم نحو الشمال الى بغداد، وهو ما حاول النظام الاسلامي في ايران تحقيقه اثناء الحرب . وقد افشل هذا المخطط الايراني الامريكي بهذه المعاهدة التي عجلت بسقوط الشاه ومجيء الخميني للسلطة .
إن الحرب لا تبدأ يوم إعلان ساعة صفرها بل تبدأ في عقول البشر. فقد بدأت الحرب في عقل آية الله العظمي الخميني منذ أن طلب إليه العراق الرحيل من أراضيه بناء علي اشتراط الشاه لتوقيع اتفاقية الجزائر عام 1975 وقد سبق الخميني أن أقام في العراق نيّفاً وعشر سنوات بكامل التوجيب والاحترام غير أن شرط الشاه كان يصل إلي درجة التهديد بمواصلة دعم التمرد الكردي وإن لزم الأمر الهجوم علي العراق وكان أمام القيادة العراقية واحد من خيارَيْن: إما أن تصر علي بقاء الخميني في أراضيها أو أن تعرّض مصير العراق للخطر.
واختار العراق أهون الشرّينْ فعمد إلي توجيه طلب رقيق إلي الخميني يدعوه فيه للمغادرة مع شرح الأسباب القسرية لهذا الإجراء والاعتذار عنه.
وللأسف فقد حملها الخميني ضغينة وحسرة في نفسه طوال مدة لجوئه إلي فرنسا.
وفي مجريات استثمار الموقع الديني الهام فقد طفق آية الله العظمي الخميني يستنبش ألواناً من التعبئة النفسية وإثارة الكراهية والاحتقانات المصحوبة بنوازع تاريخية إلي درجة أنه يوم 22 نيسان (ابريل) عام 1980 أعلن في خطاب جماهيري حاشد: إن إيران قادرة علي احتلال بغداد في ساعات ثم استدار ليخاطب الجيش العراقي بقوله اتركوا الثكنات وانفروا ضد الموقف المخزي لنظام بغداد وتخلصوا من صدام كما تخلّصنا من الشاه العميل.. .
ومن ناحية اخرى أن أي صراع أو قتال عندما يندلع بين طرفين (مهما كان الطرفين دولتين أو قبيلتين أو شخصين أو غيره) فأنه وبناءاً على منطق الحرب والقتال يكون الطرف الأكثر إمكانيات وقوة هو الذي يسعى للقتال والحرب وليس العكس ، وإيران تمتلك إمكانيات اكثر بكثير من العراق ويمكن توضيحها على النحو الآتي :
في بداية الحرب كان عدد سكان إيران 39 مليون نسمة والعراق 13 مليون نسمة أي أن سكان إيران ثلاثة أضعاف سكان العراق .مساحة إيران تزيد على مساحة العراق بأكثر من ثلاثة أضعاف ونصف .
طول الحدود وافتقاد العراق للعمق الإستراتيجي لمدنه يجعل عدد كبير من مدن العراق والمهمة (مثل البصرة والعمارة وديالى وأربيل وخانقين وغيرها) تحت مرمى المدفعية الإيرانية ، ومدنه الأخرى ومنها العاصمة بغداد والتي تبعد 120 كم عن الحدود مع إيران تحت مرمى الصواريخ الإيرانية القصيرة المدى - سكود وغيرها والتي لا تتجاوز 150 كم - التي تمتلكها إيران والعراق في بداية الحرب . بينما إيران تمتلك عمقاً استراتيجياً كبيرا بسبب سعة مساحتها فلذلك معظم مدنها المهمة مثل عاصمتها طهران واصفهان وشيراز وقم وغيرها بعيدة عن المدفعية والصواريخ العراقية) .
أن العراق كان يعتمد على 85% من اقتصاده على تصدير النفط الذي يتم تصدير معظمه عن طريق (مينائي البكر والعميق في الخليج العربي) والباقي عن طريق وتركيا وسوريا التي أوقفت تصديره في السنة الثانية للحرب بناءاً على وقوفها في الحرب مع إيران ، وبما أن الساحل الشرقي من الخليج العربي كله لإيران والعراق لا يملك إلا ما طوله 30 كم من السواحل فقط في شمال الخليج فأنه بذلك مهدد بأن تقوم إيران بمنع العراق من تصدير نفطه عن طريق الخليج العربي وهذا ما قامت به إيران منذ اليوم الأول لبدء الرد العراقي في 22/9/1980هـ .
كانت القيادة الإيرانية تعتقد (متوهمة) بأن الشيعة العرب في العراق الذين يمثلون اكثر من 40 % من الشعب العراقي آنذاك سيقف معها في الحرب باعتبارهم ينتمون لنفس المذهب ولم يقف معها سوى حزب الدعوة العميل وبعد ذلك المجلس الاعلى جماعة الحكيم وهؤلاء لايمثلون الا العمالة بالشيعة بل حتى اصولهم ايرانية ، وكذلك الشعب الكردي الذي نسبته 13% ، وما حصل هو العكس ماعدا الاحزاب العميلة كحزب الطلباني والبرزاني الذي شكرهم خامنئي في اخر لقاء مع جلال على دورهم بالحرب .
من اهم نقاط الاستهداف هو ان اصبح العراق لديه في نهاية السبعينات افضل اقتصاد في المنطقة وتوفر له احتياط بلغ اكثر من 35 مليار دولار! وكان الدينار العراقي يساوي اكثر من 3 دولارات! كما كان لديه افضل نظام طبي وتعليمي في المنطقة، ونظراً لرغبة الأمريكان التخلص من الشاه بسبب توقيعه معاهدة الجزائر مع العراق ولـتأجيج الفتنة مع العراق ولأسباب أخرى تم تحريك الشارع الإيراني ضد الشاه الذي كان متعطشاَ للخلاص منه وإقناع الشاه بضرورة الخروج من إيران حتى يهدأ الوضع، كما جرى تلميع صورة الخميني وتسهيل عودته من فرنسا واستلامه السلطة وانتهاء عهد الشاه ، ومع استلام الخميني القيادة في إيران بدأت رائحة وشرارة الحرب تفوح وتشتعل شيئاً فشيئاً ، واليكم أهم الأدلة والحقائق التي تثبت أن القيادة الإيرانية تتحمل كامل المسؤولية في دق طبول الحرب واندلاعها واستمرارها لمدة 8 سنوات وان القيادة العراقية لم تكن تريد الحرب مع إيران مطلقاً بل خاضتها مضطرة للدفاع عن العراق ، وهي :
أرسل الرئيس صدام حسين رسالة تهنئة للزعيم الإيراني الخميني بنجاح الثورة وتسلمه السلطة معرباً عن أمله بأن تكون مكسباً للامة العربية والإسلامية ،ومتمنياً بأن تكون العلاقات بين الشعبين العراقي والإيراني مبنية على مبادئ الدين الإسلامي الحنيف والجيرة الحسنة بما يطور العلاقة بين البلدين والشعبين، وقد قال السيد موسى الموسوي (مستشار الخميني آنذاك) المتواجد حالياً في لندن بأن الخميني قال له بعد قراءة الرسالة أمامه بأن صدام خائف لان هناك نسبة كبيرة من الشعب العراقي سيؤيده حالما ينادي بإسقاط النظام العراقي باعتباره عاش في العراق 13 سنه، وقد رد الزعيم الخميني برسالة جواب للرئيس العراقي تتضمن تهديداً ووعيداً وختمها بجملة والسلام على من اتبع الهدى وهي جملة معروف أنها تقال لغير المسلم.

الحرب الاعلامية قبل واثناء المعركة

الحرب الاعلامية الايراني :

بدأت القيادة الإيرانية بحملة إعلامية واسعة وكبيره من خلال وسائل الأعلام المختلفة بالترويج لما يسمى بتصدير الثورة الإسلامية للأقطار المجاورة خاصة العراق ودول الخليج لزعزعة وإسقاط أنظمتها (التي كانت تصفهم القيادة الإيرانية بالأنظمة الكافرة والعميلة للغرب) لإقامة أنظمة موالية لها، كما رددت من خلال خطابها الإعلامي في أنه أي اتفاقية وقعها الشاه لا تعبر عن طموح الشعب الإيراني وتطلعاته تعتبر لاغية وخصت بالذكر اتفاقية الجزائر الموقعة مع العراق .
على الرغم من ان ايران كانت تخوض الصراع من اجل اطماع قومية لكنها كانت تستخدم الدين بهذا الصراع بشكل واسع ومخزي ان استخدام اسم الله في الصراعات المبنية على اسس دنيوية يعتبر انتقاص كبير من قيم الالوهية وقد تاجر ايران بالدين وخصوصا بالمذهب الشيعي لاجل الحصول على مكاسب قومية وواضح جدا من خلال الاعلام الايراني الموجه ضد العراقيين والى الشعوب الايرانية هذا الاستغلال لاجل خداع هذه الشعوب والتغطية على السبب الحقيقي للحرب وبالضد من هذا فقد ركز الجانب العراقي على القيم الوطنية والقومية بالصراع ففي الوقت الذي دفع به الاعلام العراقي الى تمسك به العراقيين بالارض كما ورد في اغنية( ياكاع ترابج كافوي ) نلاحظ ان الاعلام الايراني يدفع باتجاه كربلا كما ود في كلمات الرادود الايراني 0 ( جربلا جربلا نداريم نيامي) بمعنى نحنوا قادمون الى كربلا ء وكربلا تبعد ثلاث الى اربع محافظات عن الحدود مما يثبت النية في احتلال العراق . وقد ورد على لسان أعضاء القيادة وعمائم إيران الكثير من الخطب والتوجيهات التي كانت تبث في الاعلام الايراني بهذا الاتجاه بمعنى ان الجو السائد في ايران على الصعيد الاعلامي الموجه هو باتجاه احتلال العراق وتصدير الثورة له كما نلاحظ من خلال الخطب التي كان يوجهها الخميني وغيره من عمائم ايران وكنماذج على هذه التصريحات لاعلى المسؤلين الإيرانيين كما ورد في الاذاعة والاعلام الايرانية قبل واثناء الحرب وهي تصريحات تنم عن العدائية والنيه المبيته .
نشرت الصحف الإيرانية في مطلع آذار 1979 حديث الخميني أمام وفد شعبي كويتي وجاء فيه حول مغادرته للعراق إن الحكومة العراقية طلبت مني التخلي عن نشاطاتي وذلك لان لديها تعهدات مع الحكومة الإيرانية، إلا إنني لم اعر اهتماما لطلب الحكومة العراقية… وعلى كل فأنني لا ألوم الحكومتين العراقية والكويتية لأنهما كانتا مضطرتان للالتزام باتفاقياتهما .
في 15 آذار 1980 ذكرت إذاعة طهران في برنامجها في اللغة العربية على لسان الخميني، احذري أختي المعلمة، احذر أخي المعلم، احذر أخي العامل، احذر أخي الفلاح، احذروا من البعث الغادر الذي فرق المعلمة عن زوجها وجعل الزوج في جهة والزوجة في جهة أخرى، احذروا أعداءكم أيها الشعب العراقي وثورة حتى النصر.
قال الخميني في كلمة ألقاها ابنه بالنيابة عنه يوم 21 آذار 1980، بأنه يجب إن نبذل قصارى جهدنا لتصدير ثورتنا إلى الأجزاء الأخرى من العالم ونترك فكرة إبقاء الثورة ضمن حدودنا.
ذكر الخميني بان إيران ستطالب بفرض سيادتها على بغداد إذا ما أصر العراق على مطالبته بالجزر العربية الثلاث، ووجه الخميني نداء إلى الشعب العراقي وأفراد القوات العراقية المسلحة، يحرضهم فيه على الثورة وقلب نظام الحكم في العراق.
بتاريخ 18 نيسان 1980، نقلت إذاعة طهران باللغة الفارسية كلمة خميني إلى أعضاء قيادة التعبئة العامة لجميع المدن الإيرانية، حيث ندد بالرئيس العراقي صدام حسين، وطلب من أفراد الجيش مجابهة نظام البعث العراقي وإسقاطه،وأضاف خميني، أن الحكومة العراقية هي ليست حكومة كما إن هؤلاء لا يملكون مجلسا وكل ما هنالك إن عددا من العسكريين جالسون ويفعلون ما يحلو لهم، وليس لهؤلاء أي اتصال أو ارتباط مع الشعب… إنهم عناصر بالية… صدام حسين يخطط ألان باستمرار ويقول أشياء، وقد قال نحن عرب، وأضاف الخميني إن على كافة الشعوب المسلمة أن تعرف معنى هذا الكلام، نحن عرب، أي إننا لا نريد الإسلام، فالشخص الذي يتفوه بالعرب فان العرب أرادوا في وقت ما الوقوف أمام الإسلام، إن هؤلاء يريدون نحيي عهد بني أمية، يريدون العودة إلى ذلك العصر الجاهلي لتكون القوى عربية فقط دون أن يكون هنالك اثر للإسلام، فهؤلاء لا يؤمنون بالإسلام. إن الشعب العربي يعرف إن المرحوم آية الله محسن الحكيم أفتى بشرك هؤلاء وقال انههم ملحدون لذلك فان هؤلاء مجموعة ملحدة بفتوى آية الله الحكيم وإذا أراد الشعب العربي أن يعمل لله وللإسلام فعليه أن يناهض هؤلاء… وتساءل خميني هل إن هذا الجيش العراقي الذي أفراده من المسلمين الشيعة والسنة سينهض لينادي بالعروبة لوجه الإسلام؟ وأضاف خميني فأما الإسلام فانه يضم العرب والعجم.
إن البعث العراقي يحارب الإسلام ويجب أن يتخلص الشعب العراقي النبيل من مخالب هذه الأصابع، وكما أدرك الجيش الإيراني إن الشاه المخلوع كان يحارب الإسلام والتحق هذا الجيش بالشعب وساهم بثورته الإسلامية، فان الجيش العراقي يجب أن ينتفض، إن الحرب التي يريد البعث إشعالها، هي حرب ضد الإسلام، فهل يرضى الجيش العراقي محاربة الإسلام وهل يرضى بان يوجه حرابه صوب القرآن، إن هذه الحراب مسددة نحو القرآن.إن الواجب يدعو الشعب العراقي والجيش العراقي لان يتخلى عن هذا الحزب اللا إسلامي وهذه الزمرة اللا إسلامية وكما التحق الجيش الإيراني بالشعب، التحق أيها الجيش العراقي بشعبك، انك مسؤول أمام الله ولا عذر لك بحربك مع الشعب العراقي وإيران الإسلام.إن هذه حرب ضد رسول الله (ص)، ( ما اشبه اليوم بالبارحة لاحظ الخطاب الذي يستخدم الدين ) أيرضى الجيش العراقي أن يحارب القرآن ويحارب رسول الله، إن إيران اليوم هي بلد رسول الله وان ثورتها إسلامية وحكومتها إسلامية وقوانينها إسلامية، نحن نريد إقامة دولة إسلامية، نريد أن نجمع العربي والفارسي والتركي وسائر القوميات تحت لواء الإسلام.لماذا تسكت عشائر العراق وهي تشاهد هذه الزمرة العبثية تقتل شباب العراق جماعات جماعات في غياهب السجون، لماذا يبقى الجيش العراقي ساكتا ويؤيد من يخالف الإسلام والقرآن، هل يجهل الجيش العراقي بأنه يقتل في سبيل الكفر وفي حرب ضد الإسلام وهل يجهل هذا الجيش عواقب هذا العمل وهل يجهل بأنه في حالة اعتدائه على إيران فان إيران ستحطمه بشدة وسوف يزحف الجيش الإيراني إلى بغداد ويساند الشعب العراقي ويطيح بالحكومة هناك،
وفي مجريات استثمار الموقع الديني الهام فقد طفق( آية الله العظمي) الخميني يستنبش ألواناً من التعبئة النفسية وإثارة الكراهية والاحتقانات المصحوبة بنوازع تاريخية إلي درجة أنه يوم 22 نيسان (ابريل) عام 1980 أعلن في خطاب جماهيري حاشد: إن إيران قادرة علي احتلال بغداد في ساعات ثم استدار ليخاطب الجيش العراقي بقوله اتركوا الثكنات وانفروا ضد الموقف المخزي لنظام بغداد وتخلصوا من صدام كما تخلّصنا من الشاه العميل.. .
أبو الحسن بني صدر سيصدح هو الآخر (كان يشغل دور رئيس الجمهورية) بتاريخ 25 نيسان (ابريل) 1980 نحن لا نستطيع منع جيشنا إذا رغب بالتوجه نحو بغداد وفي اليوم ذاته (25 نيسان/ابريل 1980 ) سيصرخ صادق قطب زاده في الكويت (كان وزير خارجية إيران): إن الجزر التي تسمّونها إماراتية هي إيرانية تاريخياً بل إن العراق نفسه هو فارسي في الأساس
وفي تصريحات ومقالات الشيرازي ان الفرصة قد تضاعفت لإسقاط النظام ، فوجه نداء إلى الجنود العراقيين دعاهم فيه إلى التمرد على البعث والهروب من الجيش والالتحاق بالجمهورية الإسلامية في إيران ، وأعلن بأن " الحرب تحت لواء البعث خزي في الدنيا وعذاب في الآخرة ، فمن قتل مسلما دخل النار ومن قتل على يد مسلم دخل النار".
كما وجه بيانا إلى المسلمين في العراق دعاهم فيه إلى " الثورة الجماهيرية حتى إسقاط هذا النظام الكافر ليسود مكانه نظام الهي يكون قانونه الإسلام ورئيسه مرضيا لله ومنتخبا من الأمة " ودعا الجيش إلى الفرار من الثكنات وجبهة القتال بكل صورة ، كما دعا إلى مساعدة المسلمين في العراق وإيران بالمال والسلاح والدعاية لإسقاط” النظام البعثي الكافر” .
وفي نداء ثالث طالب" الجيش العراقي بتوجيه أسلحته إلى صدور خونة البعث ، لأنهم كفرة فجرة ، والهرب بالأسلحة ، وقتل كل بعثي ملحد ، فلمن قتل أي فرد من البعث الكافر الجنة والعزة".
وقال الشيرازي تعقيبا على الحرب :" انها أشعلت حماس المسلمين في كل مكان وجعلتهم يتحركون لينفضوا عن أنفسهم غبار الذل والكسل والجمود والانهزام ليلتحموا مرة أخرى ، ويكوّنوا حكومة إسلامية عالمية واحدة تحت لواء الإسلام وحكم القرآن".
ولما كان الشيرازي والحركة الإسلامية ووسائل إعلام الجمهورية الإسلامية تتهم صدام بالكفر والعلمانية ومحاربة الإسلام ، فقد وجد الرئيس العراقي صدام حسين بأن من صالحه رفع شعار الإسلام والتظاهر ببعض الشعائر الإسلامية ، وهنا أصدر الشيرازي بيانأ رفض فيه إسلام صدام ، واعتبره كإسلام اليهود المنافقين الذين قالوا: ( آمنوا بالذي انزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره) وذكر الشيرازي عشرين دليلا على كفر النظام كرئاسة عفلق الصليبي لحزب البعث ، وإلغاء الأذان والقرآن من الإذاعة العراقية ، والتصريح بالقضاء على الدين ، ونشر حوانيت الخمر والبغاء ، وقتل العلماء وهدم الحوزات ومنع الزيارات ، وحرق مئات القرى الكردية ، وإحياء القومية الجاهلية ، وترويج سب الله والمقدسات ، وتسفير مئات المسلمين وسجن الآلاف والاعتداء على شرف الفتيات المسلمات، وهدم المساجد وضرب قوانين الإسلام كالشورى ، وانتهى إلى القول بأن علماء المسلمين قد أفتوا بكفر البعث ، وحان الموعد لأن يلفظ الشعب العراقي المسلم هذا الحزب الكافر بالله واليوم الآخر .
وبناء على ذلك نادى الشيرازي باستمرار الحرب بين العراق وايران ، ورفض أي محاولة للصلح مع صدام ، وأيد ايران في رفع شعار ( لا صلح مع البعث ) نفس مقولة المالكي اليوم . وقال:" ان ما أبداه البعث الكافر ، من وقف القتال مع الجمهورية الإسلامية ليس إلا مكيدة وخداعا يريد بذلك تجديد أنفاسه ليعيد الكرة ، فالواجب الشرعي على الجمهورية الإسلامية مواصلة القتال ، كما ان الواجب على الأمة الإسلامية في العراق وخارجه مساعدة المقاتلين المسلمين ضد الكفار والعملاء الفاسدين".
وطالب الشيرازي المقاتلين بالصبر ومواصلة الحرب حتى سقوط حزب البعث الحاكم في العراق. وقال : " ان المسلمين داخل وخارج إيران لا يتصالحون مع الكفر أبدا ، وعلى المسلمين ان يمدوا الشعب العراقي الثائر … بالمال والسلاح وسائر المستلزمات".
وأصر على موقفه المطالب بإقامة الحكم الإسلامي تحت قيادة العلماء في العراق وتشكيل الحكومة الإسلامية الواحدة التي يكون قانونها الإسلام ويعين رئيسها بالشورى في انتخابات حرة ، حيث " ان العراق بلد مسلم لا يقبل إلا بالإسلام دينا ومنهجا ".
ومن هنا فقد دعا إلى تسليح الشعب العراقي ودعم ثوار العراق من الداخل بالمال والسلاح ، وقام الشيرازي بمقابلة الإمام الخميني في بداية الحرب العراقية الإيرانية ، وعرض عليه تزويد الشعب العراقي بمليون قطعة سلاح ودعمه بمليار دولار .
وتحرر الشيرازي في ظل الحرب من كل القيود والتحفظات وبدأ يحث على كل انواع المقاومة السلمية والعسكرية ضد النظام البعثي ، وأصدر بيانا في مناسبة " الأربعين" يقول فيه:" الواجب الشرعي على الجميع ان يجعلوا من (زيارة الأربعين) منطلقا لأجل تكميل الثورة الإسلامية ضد البعث ، وذلك بتجديد العهد مع الامام الحسين ومع أنفسهم بمقاطعة كل شيء يرتبط بالبعث ومواصلة الإضرابات والمظاهرات ، والفرار من الإدارات والثكنات وكسر أبواب السجون وتحرير السجناء ، وحمل السلاح ضد البعث ، والقيام بكل أعمال المقاومة من نسف القطارات الحاملة للأسلحة وإلقاء القنابل في مراكز البعث ، وحيث ان البعث يعد كافرا محاربا للإسلام فمن قتل بعثيا فله الجنة".
وبينما كان الشيرازي يعول كثيرا على انتصار الثورة الإسلامية في العراق في وقت قريب ، أزعجته ، مرة أخرى ، أنباء عن احتمال وقوع انقلاب عسكري في العراق ، أو إقامة جبهة وطنية ، فأصدر بيانا رفض فيه أية حكومة عسكرية أو ائتلافية في العراق ، واتهم كل من يشترك في تلك الحكومة بالعمالة الصريحة للاستعمار. ووعد باستمرار القتال في حال وقف اطلاق النار بين العراق وايران ، من داخل العراق حتى اسقاط نظام البعث . ولكن الحرب استمرت ولم يحدث انقلاب عسكري في العراق ولا قامت جبهة وطنية ، ولم تستطع الثورة الإسلامية ان تتقدم أو تنتصر على إجراءات النظام القمعية ، ولم تستطع القوات الإيرانية ان تدخل في العراق لتغير النظام فيه أو تقيم حكومة إسلامية بأي شكل من الأشكال.. وتدهورت علاقة السيد محمد الشيرازي بقيادة الجمهورية الإسلامية في إيران ، التي أهملته وفضلت عليه السيد محمد باقر الحكيم لقيادة "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق" الذي أسسته عام 1982 ، وهذا ما دفع الشيرازي إلى اتخاذ قرار مفاجيء بالانسحاب من المواجهة السياسية والتعبئة الإعلامية ضد النظام العراقي ، والانزواء في قم والعمل من اجل المرجعية وتقويم التجربة الإسلامية الإيرانية ككل ، وخاصة في اتجاهها الاستبدادي وابتعادها عن الشورى والديموقراطية.
ومنذ عام 1982 وتحديدا بعد تحرير مدينة خرمشهر (المحمرة) بدأ الشيرازي يتحدث في مجالسه الخاصة عن عبثية الحرب وضرورة وقفها . ولم يكن يستطيع ان يعلن موقفه أمام الملأ ، خوفا من الاصطدام مع الامام الخميني الذي ظل يدفع باتجاه الحرب ستة أعوام أخرى.

الحرب الاعلامية العراقية :-

اسس العراق لحرب اعلامية مضادة للاعلام الايراني الموجه والهجومي الاستفزازي بحرب الاعلامية على اسس وطنية وقومية وبطريقة دفاعية رائعة مبنية على اسس انسانية فقد كان الشعر والاغنية والقصيدة والرواية والقصة التي ارخت لهذه الحرب هي جزء مهم من الجهد الاعلامي العراقي بالضد من الحرب الاعلامية الايرانية التي اعتمدت على الخرافة والروزخونية والشعور بالعظمة ومحاولة تصغير الاخريين وتشويه قيمهم والتي استندت على اسس طائفية منهجية دعت الى استخدام المذهبية الموجهه لاجل الاهداف لمصلحة الاهداف القومية الفارسية التي تتطلع لتحقيق حلم الامبراطورية الايرانية التي هزمت في عهد الفتوحات الاسلامية لذلك نرى ان الاعلام العراقي المقاوم ركز على فضح هذه الاهداف وعلى راسها تسمية المعركة بالقادسية الثانية او قادسية العرب والتي سميت على نطاق محلي بقادسية صدام تكريما للجهد الذي بذل من القيادة العراقية في التصدي لهذه الحرب ومعها كل الشعب العراقي الذي اشترك بها من اقصى الشمال الى اقصى الجنوب فاشترك الكاتب والمؤلف والقاص والشاعر والمطرب والمجاميع لؤوسسوا الى فيلق اعلامي منضبط ورائع بكل المقاييس فكان الجهد الاعلامي من المحفزات الأساسية لاستنهاض الهمم وتمجيد الدفاع عن الارض والعرض من خلال الشعر والقصة والكتابة كما استلهم روح الاجداد وعظمة الارض وليحقق الانتصار تلوا الانتصار على الايرانيين عن طريق التمسك بالقيم العليا للصراع الثقافي ومن خلال هذا الفيلق الذي انتج الكثيرواتخذ اسلوب واقعي ومدروس بالاعلام المقاوم فمن الفلم التسجيلي الى الافلام الكاملة الى القصيدة المغناة الى المسرحية كمسرحية حسين رخيص وساند الجهد العسكري معنويا بصورة صحيحة ومدروسة سنوجز قسم من هذه الاعمال والاسماء الامعه في هذا الصعيد :
كانت السينما العراقية وثيقة مهمة لرصد الحياة وبفعل جدارة هذا الفيلم استطاع أن يحصل على العديد من الجوائز الدولية في المهرجانات التي شارك فيها مثل: لاييزك – وموسكو – وطاشقند – وقرطاج – ويصل معدل ما يتم إنتاجه سنويًّا من الفيلم الوثائقي إلى أربعين فيلمًا تتناول موضوعات عديدة كقصة الصراع ولم تغفل الافلام التربوية والتأهيلية والثقافية ومنها الكثير كما نذكر
ريحانة – المدينة البديل 1989 لا يوجد مخرج، مجموعة من المصورين. وهو نتاج يعرض لتاريخ مدينة عنة – كمركز استيطان حضاري وكيفية إنقاذ آثارها قبل غمرها بالمياه.. ثم تصوير المدينة البديلة الكنائس في العراق 1988 سيناريو وإخراج خيرية المنصور آثار عن الفرات سمير جودة 1988 العراق الوطني سيناريو وإخراج طارق عبد الكريم 1981 الحرف العربي سيناريو وإخراج د. عياش الشلاه 1981 بلد الخير سيناريو وإخراج حسين أمين 1981 القباب المشعة سيناريو جبرا إبراهيم جبرا إخراج ياسين البكري 1981 عن الحضارة الكاظمية والكيلانية وسامراء بغداد الأزل سيناريو وإخراج فلاح قاسم 1987الحياة الحضارية لمدينة بغداد.بغداد الحبيبة سيناريو وإخراج جعفر علي 1987عن أوجه الحياة الجديدة المتطورة في العراقوعاد الزمن إليها سيناريو وإخراج عدنان عمر 1989عن ترميم بناية القشلة.أغنية لشمس الصباح سيناريو وإخراج بسام الوردي 1983الحياة اليومية لمدينة بغداد عرض بداية العدوان الإيراني بضرب التظاهرات ثم عرض المعارك.معركة الأهوار سيناريو وإخراج صاحب حداد 1985تدريبات الجيش الشعبي أثناء الحرب والمهمات التي قام بها ثم عرض لبيئة الأهوار الجميلة.النخيل المقاتل أحمد إبراهيم 1985 عن الجيش الشعبي ودور النساء ورجال الأهوار والعدوان الشهيد أكرمنا عبد الهادي الراوي 1980عن عملية إخلاء شهيد في المعركة.فصول من قادسية صدام رشيد ياسين 1981عن تحرير مدينة المحمرة.أبرياء كاظم العطري سنة 1982عن قصف إيران للحدود العراقية والجرحى والأبرياء سائرون نحو الشمس جناف صبري 1983حول الجيش الشعبي في شمال الوطن.الحدود المستحيلة ياسين البكري 1983عن الحرب العراقية الإيرانية وأطماعه التوسعية.لماذا الحرب صاحب حداد 1983عن الأحقاد التاريخية والأطماع في العراق.البصرة حياة وصمود طارق عبد الكريم 1983عن صمود مدينة البصرة في ظل الحرب الإيرانية – العراقية.فرسان العراق جنان صبري 1983تاريخ تأسيس الجيش الشعبي وحتى الحرب ودوره.رجال التحدي محمد الطائي 1984 حول تدريب الطلبة في الجيش الشعبي.حكاية الفتاة غادة حسين أمين 1986حول الفتاة غادة المخطوبة إلى أحد المقاتلين الذي يقع في الأسر أثناء الحرب الإيرانية العراقية.الطالب والمعركة خيرية المنصور 1986يتحدث عن دور الطالب بتفوقه في المدرسة.النار طارق عبد الكريم 1989يتحدث عن مدينة النار بعد تحررها.شعاع الشمس أحمد إبراهيم 1982 حول الحياة الجديدة في شمال العراق في ظل الثورة رجع الصدفي علي صاوي الحسون 1989 يعرض للوحات متنوعة وأبرز سماتها الإسكندرية – حسين أمين 1979 حول معمل الإسكندرية للصناعات الميكانيكية ومراحل الإنجاز ودور العمال. وسام شرف عبد السلام الأنظمي 1986 عن إبداعات أحد العمال وتكريمه وابتكاراته. الخنساء خيرية المنصور 1989 – إنتاج اتحاد نساء مع دائرة السينما والمسرح) عن المرأة والظلم الذي لحق بها في جميع العهود السابقة والمكاسب التي حصلت عليها ورغم المكاسب التي حصلت عليها فيجب أن يشمل التغير الاجتماعي لكي تأخذ المرأة مكانتها الطبيعية. مضاف لها فلم القادسية والحدود الملتهبة لصاحب حداد والمسائلة الكبرى وهي من الافلام الطويلة
اما على صعيد الشعر
فقد استحق الشعراء نتيجة لابداعهم الشعري القاب مهمة فعبد الرزاق عبد الواحد شاعر القادسية وغزاي درع الطائي شاعر القوات المسلحة وعبد الودود زكي القيسي شاعر القوات المسلحة اما رعد بندر فلقّب بـشاعر ام المعارك و ساجدة الموسوي شاعرة ام المعارك . وهذه الالقاب كانت نتيجه لجهدهم الكبير وللقصائد الرائعة التي كتبوها كما لمعت اسماء عديدة في الشعر الشعبي والفصيح ومنهم :
كاظم الرويعي ربيع الناصري فارس عبدالواحد مهدي شعلان احلام عبود الصافي ايليا راجي مرقس زهير الدجيلي هشام صباح الفخري لهيب عبدالخالق ضرغام البرقعاوي عبد النور داود صابر محسن الدوري ابتسام عبد الله صباح عنوز علي حسين علي رزاق الزيدي ريم قيس كبة دنيا ميخائيل كاظم النصار احلام منصور محمد الكعبي حامد الموسوي د. علي الجابري د. حسن الشرع عبد القادر جبارمزاحم البياتي كريم العراقي جواد الحمداني فاطمة الليثي عباس جيجان عادل محسن حمزة الحلفي خضير هادي عريان السيد خلف كاظم اسماعيل الگاطع كاظم الركابي
ومن الكتاب لمعت اسماء حميد سعيد وسامي مهدي وعبد الامير معلة في فترة الحرب مع ايران الذين مجدوا بطولات الجيش العراقي كقول عبد الامير معلة :
الصبايا تعلمن حمل البنادق
والرقص بين الوميض ، وخطف الصواعق
والحب بين تراب الخنادق
والعصف
والكبرياء

وكذلك الشعراء خليل الاسدي ومنذر عبد الحر ورباح نوري وعقيل علي وكزار حنتوش وعلي الامارة وجبار الكواز وامل الجبوري ووليد الصراف وعلي جعفر العلاق وغزاي درع الطائي وعشرات غيرهم امثال خالد مطلك وعبد المطلب محمود ومرشد الزبيدي وعبد المنعم حمندي وخالد علي مصطفى واديب ناصر وخيري منصور ( من فلسطين ) .
وفي مجلة اسفار التي كان يرأس تحريرها عدنان الصائغ والصادرة عن منتدى الادباء الشباب والتي حفلت ايضا بقصائد
نصيف الناصري ، حاتم عبد الواحد ، لهيب عبد الخالق ، منذر عبد الحر ، رباح نوري ، عبد الجبار الجبوري ، افضل فاضل العاني ، صلاح حسن ، خالد علي الخفاجي ، امل الجبوري ، رعد بندر ، عدنان الصائغ الذي قدم القصائد ايضا .
الشاعر عبد الوهاب البياتي الذي نشر مقالا في جريدة الثورة كتبه يوم 11/8/1988 جاء فيه : ( قال الرئيس القائد صدام حسين في احدى خطبه ان السلام القاعدة والحرب هي الاستثناء . ولهذا فان حلول السلام هو الهدف الذي كان يسعى اليه العراق منذ اليوم الاول للحرب مع ايران . هذا النصر يعد انتصارا لشعبنا العراقي وللامة العربية وللانسانية ماديا ومعنويا وقدم شهداء لاحصر لهم . )
كما صدرت الالاف الكتب والمطبوعات القصص القصيرة والروايات التي تمجد بطولات الجيش العراقي وتكشف الاعيب الاعلام الايراني واسست دائرة التوجيه السياسي التي لعبت دورا كبيرا في ايصال المعلومة للمقاتلين وكذلك في رفع الروح المعنوية للجيش والشعب العراقي .
اما على صعيد الاغنية فقد صدرت الكثير من الاغاني الوطنية وقسم منها في مدح صدام حسين خصوصا بعد ان استهدف النظام الايراني شخص رئيس العراقي في ذلك الوقت وهو صدام حسين فكانت ردة الفعل الاعلامية العراقية بالمدخ لشخصة ومنها عونج يا كاع , الله اكبر يا عرب , الله ينصرك سيدي ,هاخوتي النشام , ها يا جنود الحق , حيهم يا خوتي , شجابك شدلاك , والله وشدينة على الخيل , يا حوم اتبع لو جرينا , يا ابن العراق المهيوب , يضل صدام شمس الوطن وهلاله, روحي نخلة بتكريت , عقال الراس , يا بو الخير , كريم العراقي : دللول , نجاح سلام و صلاح عبد الغفور : سالم يا صدام , علاء سعد : هلا يا سيدي , صلاح عبد الغفور : الله يخلي الريس , سعدون جابر : يا ساري بينا للمعالي , عباس مجيد : يا ابو الوفا , حسين نعمه : العزيز انت , سوزان عطيه : عجيد القوم , مهدي كاظم: و حياتك , صدام اخو هدله .. نعم .. للخيلة مسروجة نعم .. للاجه من العوجه , فرحانه الدنية بصدام تتباهه بعزها وغاليها , العراق بيت الشرف والطيب عنوانه , القدس نادت وينك يا بو عداي , اخو هدلة ... ياعنوان الفخر يا نعم الرجال , ابونا و النعم صدام ابوناالفنان البصري علي الشليان : الداد صحنا الداد
ونعود الى بدايات الحرب
فقد بدأت القيادة الإيرانية ومنذ يوم 4/9/1980م بالتحرش بالمدن والقصبات العراقية الحدودية وقصفها بالمدفعية والتحرش بالسفن في الخليج العربي وشط العرب وفرض رفع العلم الإيراني فوق السفن العراقية وتحريض ما يسمى حزب الدعوة لإشعال نار الفتنة الطائفية وللقيام بتفجيرات داخل المدن والعاصمة بغداد، وقيام طائراتها بالإغارة على عدد من المنشآت العراقية حيث تم إسقاط إحدى الطائرات وأسر قائدها الذي احتفظت به القيادة العراقية إلى نهاية التسعينات على أنه دليل إثبات على بدء الحرب من قبل الجانب الإيراني، وقد قدمت القيادة العراقية اكثر من 260 مذكرة احتجاج موثقة ضد الجانب الإيراني على ممارسته وتجاوزاته وخروقاته للأراضي والمياه العراقية للأمم المتحدة وصور منها للجامعة العربية والمؤتمر الإسلامي والسفارة الإيرانية في بغداد، وقد تحملت القيادة العراقية كل ذلك بصبر وحكمة ومسؤولية عالية بهدف منع تطور الوضع إلى ما هو أسوء . وبعدما يربو علي 260 مذكرة من الخارجية العراقية إلي جامعة الدول العربية والمؤسسات الدولية والإسلامية وشخصيات عالمية (في مجموعة دول عدم الانحياز أفريقية وآسيوية وأوروبية) فإن بغداد قررت أن ترسل مذكرة مباشرة إلي طهران تشكو فيها من اضطراب الوضع الحدودي بين البَلَديْن بمسؤولية القوات الإيرانية المرابطة علي الحدود مع العراق.. وكان تاريخ المذكرة هو 8 أيلول (سبتمبر) 1980 أي قبل إعلان الحرب من بغداد باسبوعين.. وكان رد طهران يثير عصبية النبي أيوب عليه السلام أو يخرج (حُلم إياس) عن طوره.. لقد جاء في الرد ما يلي:
نحن لا نعترف باتفاقية الجزائر وهذه المناطق المقصوفة هي مناطق إيرانية وقد قبرت طهران إلي الأبد اتفاقية الجزائر بينكم وبين الشاه العميل .
أما الجواب الإيراني فكان تاريخه هو ذات تاريخ المذكرة العراقية!
ماذا يفعل العراق ببلد جار ومسلم يمارس ضده كل أنواع الحرب دون أن يُعلنها؟! فهل كان (تحرير القدس عبر بغداد) شعار الثورة الداوي أم أنها الحكمة في شعر المتنبي (حَلَبٌ قصدنا وأنت السبيل)؟ وهل حقاً كانت الثورة الإسلامية تقصد (القدس عبر بغداد) أم أنها تقصد بغداد فعليّاً من حيث أن تصدير الثورة عقائدياً لا ينطبق علي اليهود بل علي المسلمين؟!
لكن مع الأسف أن القيادة الإيرانية فسرت صبر القيادة العراقية وحكمتها وشعورها بالمسؤولية بالضعف والخوف والتردد مما جعلها تتمادى وتستمر بالتجاوزات والخروقات وقصف المدن والقصبات والاستفزازات في المياه الإقليمية والدولية وإشعال نار الفتنة بين الشعب العراقي، ولما تأكدت القيادة العراقية من عزم وإصرار القيادة الإيرانية في إلحاق الضرر بالعراق وإشعال الفتنة الطائفية فيه والتصميم على إسقاط القيادة العراقية قولاً وعملاً ، خرج الرئيس صدام حسين على شاشة التلفزيون ومزق اتفاقية الجزائر وقال أنها لاغية لان الإيرانيين خرقوا الاتفاقية في أهم بنودها وهو بند عدم التدخل بالشؤون الداخلية لكلا الطرفين، ولإفهام القيادة الإيرانية بقدرة العراق على الرد بكل قوة، قامت القيادة العراقية مضطرة بالرد في يوم 22/9/1980م بقيام عشرات الطائرات العراقية بقصف معظم المطارات الإيرانية بوقت واحد رافقه دخول الجيش العراقي بعمق 10 كم داخل أراضى إيران على طول الجبهة بهدف أبعاد المدفعية الإيرانية عن المدن والقصبات الحدودية .
شعوراً من القيادة العراقية بالمسؤولية لوقف نزيف الحرب فقد وافقت على كل قرارات مجلس الأمن الدولي من أول قرار صدر في الأسبوع الأول من بدء الحرب العسكرية وحتى القرارالأخير رقم 598 الذي صدر بداية عام 1988م وعلى كل المبادرات والنداءات الدولية، بينما رفضت القيادة الإيرانية كل قرارات مجلس الأمن والمبادرات الدولية ووضعت شروطاً تعجيزية لوقف إطلاق النار وهي إسقاط النظام العراقي الذي تصفه بالكافر والعميل للغرب وإحلال نظام إسلامي على غرار النظام في إيران ومحاكمة صدام والقيادة العراقية باعتبارهم هم المعتدين ودفع التعويضات، حتى أن أمين المنظمة الدولية ديكويلار ومن خلال شاشة التلفزيون كان دائماً ينصح إيران بقبول وقف النار وإنهاء الحرب .
تأكيداً على تمسك القيادة العراقية بالحل السلمي فقد قامت بالمبادرة بإيقاف الحرب من طرف واحد في المناسبات الدينية كشهر رمضان المبارك والأعياد وعاشوراء وغيرها بهدف إتاحة الفرصة المناسبة للقيادة الإيرانية لوقف الحرب .
كانت القيادة العراقية واضحة مع شعبها والشعوب الإيرانية والعالم في السر والعلن في أقوالها وأفعالها، بينما كانت القيادة الإيرانية تتعامل بوجهين فهي تصف أمريكا بالشيطان الأكبر لكسب تأييد الشعوب الإيرانية والعربية والإسلامية بينما كانت هناك علاقات بالسر مع أمريكا وإسرائيل وتتزود بالأسلحة وقطع الغيار الأمريكية فيما سمي بفضيحة إيران كونترا فقد تمت الصفقة الأولى في مارس 1981م، أي بعد أشهر قليلة من بداية الحرب، توسط فيها الشيخ صادق طبطبائي، الذي كانت له صلات ببعض عملاء الاستخبارات الإسرائيلية، ثم تلتها صفقات أخرى عن طريق عملاء آخرين في لندن وغيرها. أما الحادثة التي أسهمت في علنية العلاقة بين إيران وإسرائيل وطبيعة صفقات السلاح، فجاءت إثر إسقاط وسائل الدفاع السوفييتية لطائرة أرجنتينية، كانت محملة بالسلاح في طريقها إلي طهران، فسارعت أجهزة الإعلام البريطانية، بنشر تفاصيل الأمر حول قيام تاجر بريطاني، "استويب ألن"، بتسليم إيران ثلاث شحنات أسلحة خلال شهر يوليو 1981م، وكذلك وجود شحنات أخرى عن طريق عملاء آخرين.
واضطر الرئيس الإيراني أبو الحسن بني صدر للاعتراف بعلمه بهذه الصفقات وبالعلاقات الإيرانية الإسرائيلية، واضطر الزعيم الديني آية الله الخميني، لأن يعزل وزير دفاعه عمر فاخوري، لتغطية الموقف أمام شعبه وبقية الشعوب الإسلامية، كما اعترف بعض القادة الإسرائيليين، مثل مناحم بيجين وشارون، وأشاروا إلى أن الغرض من هذه الصفقة، هو السعي لإضعاف العراق، إلى جانب الحصول على احتياجات إسرائيل من النفط من إيران.
في السنة الثانية للحرب 1982م واستجابة لدعوات بعض الدول والمنظمات العربية والدولية بهدف إقناع القيادة الإيرانية بالحل السلمي ولإثبات حسن نية القيادة العراقية وتمسكها بالحل السلمي انسحبت القوات العراقية من جميع الأراضي الإيرانية إلى داخل حدودها ما قبل يوم 22/9/1980حسب اتفاقية الجزائر، رغم ما يمثله ذلك من خطورة على المدن والقصبات العراقية الحدودية بسبب وقوعها تحت مرمى نيران المدفعية الإيرانية .
بدل أن ترد القيادة الإيرانية على مبادرة العراق الحسنة بالمثل ، قامت القوات الإيرانية وبكل حقد ووحشية بقصف المدن والقرى الحدودية بالمدفعية بشكل يومي لأنها أصبحت قريبة من مرمى المدفعية الإيرانية، كما بدأت تقوم بهجمات بأعداد كبيرة بما سمي بالموجات البشرية بهدف خرق الحدود العراقية واحتلال أجزاء منه خاصة المناطق الجنوبية في البصرة والعمارة، واستمرت بقصف المدن والهجوم بالموجات البشرية حتى استطاعت احتلال شبه جزيرة الفاو على الخليج العربي عام 1986 وأطلقت عليها اسم الفاطمية وأقامت عليها دوري بكرة القدم بهدف ضمها للأراضي الإيرانية .
استمرت القوات الإيرانية بقصف المدن والقصبات العراقية بالمدفعية وبكل وحشية وبشكل يومي منذ انسحاب العراق من الأراضي الإيرانية، كما قامت القوات الإيرانية في عام 1987م بقصف العاصمة بغداد وغيرها لأول مرة بصواريخ سكود (المتوفرة لدى إيران والعراق ومدها 150 كم) التي هي الأكثر تدميراً من المدفعية والتي سميت في حينها (حرب المدن) والتي بدأتها بالفعل القيادة الإيرانية لان المدن العراقية كما ذكرت معظمها ومنها العاصمة بغداد (التي تبعد 120 كم عن الحدود الإيرانية) تقع ضمن مدى المدفعية والصواريخ الإيرانية وكان ضمن ما شمله القصف الوحشي مدرسة بلاط الشهداء في بغداد التي راح ضحيتها عشرات الأطفال، ولان القيادة العراقية لا تستطيع الرد بالمثل بسبب بعد معظم المدن الإيرانية ومنها طهران (التي تبعد 600 كم عن الحدود واصفهان وشيراز وغيرها) عن مرمى صواريخ سكود اكتفت بالرد من خلال القصف بالطائرات (رغم خطورته على الطيارين) التي احتفظ بها العراق واستنفذتها إيران خلال الأشهر الأولى للحرب من خلال إسقاطها من قبل القوات العراقية، وحذرت القيادة العراقية إيران من جريمة قصف المدن وتدميرها وقدمت عدة مذكرات بذلك للأمم المتحدة والجامعة العربية وإنها سترد على تلك الاعتداءات في الوقت المناسب
استطاعت القوات العراقية وفي الأشهر الأولى من عام 1988م من تطوير صواريخ سكود بزيادة مداها إلى صواريخ الحسين 300 كم والعباس 600 كم وغيرها، وقامت القوات العراقية بمفاجئة الإيرانيين بالرد العنيف بعد الصبر حيث دكت الصواريخ العراقية معظم المدن الإيرانية ومنها العاصمة طهران والتي سقط عليها لوحدها 160 صاروخ مما جعل سكانها البالغ عددهم اكثر من 8 ملايين آنذاك أن يتركوها إلى الضواحي والجبال وبدأت معنويات الإيرانيون تنخفض وتصل إلى حالة الإحباط .
في نفس الوقت أكملت القوات العراقية تجهيزاتها للقيام بتحرير الأراضي والمدن العراقية التي احتلتها القوات الإيرانية، فقامت بتحرير شبه جزيرة الفاو بتاريخ 16/4/1988م خلال 36 ساعة وبعدها تحرير الشلامجة ونهر جاسم وجزيرة أم الرصاص والقرى والقصبات الأخرى حتى أن القوات الإيرانية من شدة تدني معنوياتها وإحباطها هربت من قرية حلبجه التي كانت مسيطرة عليها ودخلت القوات العراقية مرة ثانية إلى داخل الأراضي الإيرانية بعمق 10 كم على طول الحدود مع إيران وكان بإمكانه أن تدخل اكثر (بسبب إحباط القوات الإيرانية وتدني معنوياتها وهروبها من ساحة القتال) وهو كان رأي معظم القادة العراقيين في أن تستمر القوات العراقية حتى إسقاط نظام الحكم في إيران إلا أن الرئيس صدام حسين أمر بإيقاف تقدم القوات العراقية داخل العمق الإيراني وقال نحن أصلاً لم نرغب في الحرب وإنما اضطررنا لها ولا نريد لها أن تستمر يوماً واحداً وإسقاط النظام الإيراني مسؤولية شعوب إيران .
بعد تمكن العراقيين من تطوير صواريخهم وقصف معظم المدن الإيرانية بما فيها طهران وتمكنهم من تحرير جميع أراضيهم من القوات الإيرانية بل ودخول القوات العراقية داخل العمق الإيراني إلى ما كانت عليه قبل انسحابها منها عام 1982م أصاب القيادة الإيرانية الإحباط واليأس فقررت مضطرة وقف الحرب وقبول قرار مجلس الأمن الدولي الأخير رقم 598 الصادر في 1988م والتوقف عن إطلاق النار على الأراضي العراقية، وأعلنت القيادة العراقية قبولها بذلك بشرط أن يكون للعراق الحق في إطلاق آخر قذيفة وأن لا ترد إيران عليها وخلافه ستستمر الحرب ورضخت القيادة الإيرانية لهذا الشرط (وكان هدف القيادة العراقية من هذا هو إيضاح للشعبين العراقي والإيراني والعالم بأن إيران هي التي بدأت الحرب والعراق هو الذي أنهاها وهو الذي انتصر فيها)، وقد قال حينها الخميني (الذي كان مصراً على الحرب حتى إسقاط القيادة العراقية) بأنه يتجرع السم لقبوله وقف الحرب مع العراق! بينما عمت الفرحة الشعب العراقي والقيادة العراقية لقبول إيران وقف إطلاق النار وتوقف الحرب .
(وأقول انتصرت القيادة العراقية في الحرب إذا عرفنا هدف الطرفين المتحاربين ومن منهم حقق هدفه فأن الإيرانيين ومن خلال خطابهم السياسي وحربهم الإعلامية كان هدفهم ومن أول أسبوع في الحرب هو إسقاط الحكومة العراقية ومحاكمة صدام ومعاونيه ودفع التعويضات، بينما كان هدف القيادة العراقية وقف الحرب وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والاحتكام لأي جهة دولية محايدة لتحديد المعتدي، فيتبين أن القيادة العراقية هي التي حققت هدفها وبموجبه تعتبر هي المنتصرة )
يتبع ...............



( الصراع الاعلامي بين العراق والولايات المتحدة الامريكية الجزء السادس

الحرب الاعلامية ( الصراع الاعلامي بين العراق والولايات المهزومة الامريكية ) الجزء السادس

ان الحرب الاعلامية العراقية الامريكية قد بداءت من وقت مبكر مع ظهور بوادر النهضة العراقية الحديثة بعد ثورة تموز المباركة فعلية تاميم النفط والقضاء على اوكار التجسس وتعدد مصادر التسليح ثم بعد ذلك حل القضية الكردية ومن ثم معاهدة الجزائر في الخمسة وسبعين كانت من اهم العوامل التي احست بها الادارة الامريكية بان العراق الان بداء يخرج من النفق وانهوا باتجاه الوصل الى نقطة الخروج الكامل من الهيمنة الامريكية على مقدرات الشرق الاوسط وخصوصا بعد رفع شعار النفط سلاح في المعركة ومن هنا أحست الإدارات الامريكية بضرورة الوقوف بوجه هذه النهضة خصوصا وانها لم تكن تعتمد على الولايات المتحدة او انها كانت خارج نطاق السيطرة الفعلية للإدارات الامريكية مع الاخذ بنظر الاعتبار ان هناك في هذه الادارات من ينظر لموضوع العراق نظرة دينية متعصبة باعتبار العراق هو ارض بابل التي تمثل تهديد لامن اسرائيل سواء بالصورة الفعلية او من ناحية الاساطير التوراتية واي نهوض لهذه القوة من جديد سيودي بالاخير الى خطر كبير على نشاء وتكوين الكيان الصهيوني وهذا اوجد خلافات داخل الادارة الامريكية في كيفية معالجة المسالة العراقية ففي نهاية السبعينات من القرن الماضي وقع الرئيس الامريكي الأسبق جيمي كارتر ضحية انقسام وصل الى حد صراع شرس ومرير بين وزير خارجيته سيروس فانس ومستشاره لشؤون الأمن القومي زبيغنيو بريجينسكي. حدة الصراع بين هذين الرجلين واختلاف رؤيتهما المتناقضة مع بعض اوصلا الرئيس والإدارة الى ما يشبه حالة العجز التام، وحولت الرئيس كارتر الى احد اضعف الرؤساء في كل تاريخ امريكا. التذكير بهذا المثل لا يستهدف سوى التأكيد على ان هذه الحالة ليست طارئة على الحياة السياسية الامريكية، وأنها يمكن ان تتكرر في كل زمان ومكان.
ان القراءة الايديولوجية المغلوطة التي قدمها الاعلام العالمي لما حدث فعلا بالعراق من تطور باتجاه بناء دولة حديثة مبنية على اسس من الانصاف الاجتماعي والوطني وما يشكله من طموح مشروع للنهوض بهذا البلد باتجاه تاسيس كيان حضاري انساني ، كانت معادية ومشحونة الى الحد الذي يمكننا من وصفها بالسذاجة، وللدقة يجب ان نقول بأن النسبة التي فرضت هذه القراءة منذ البداية تشكل اقلية ضئيلة لكنها فاعلة فهي تمتلك الادوات الازمة من صحافة ومؤسسات اعلامية كبيرة .. وهي لم تفعل ذلك عن عدم دراية، بل هي فعلت ذلك عمدا وعن سبق اصرار وترصد، مستهدفة بذلك فرض قراءتها الدينية المؤدلجة على كل العالم ويجب ان نعترف بأنها نجحت في ذلك، اما البقية من الاعلام العالمي وبقية العالم فقد وقع ضحية لأكبر عملية تضليل سياسي وإعلامي في العصر الحديث. من هنا تشكل عملية اعادة قراءة الأمور مهمة تستهدف الوصول الى الحقائق وبعيدا عن محاولات التضليل الايديولوجي، وتشكل في نفس الوقت مدخلا للحديث عن انعكاسات هذه القراءة المغلوطة في مناسبات أخرى
عندما تقع قراءتنا لحدث ما فريسة سهلة في شباك منطلقات ايديولوجية مغلوطة، تكون النتائج التي نتوصل اليها خاطئة لا محالة، لكن عندما تتحول هذه القراءة المؤدلجة الى ثوابت ومسلمات عالمية يرددها الكل من دون تفكير، عندها نكون قد وقعنا ضحايا لأكبر عملية نصب سياسية وإعلامية في العصر الحديث. وهذا هو ما حدث بالضبط لقراءة الاعلام العالمي وقسم كبير جدا من النخب السياسية، للحرب الامريكية في العراق، على الأقل في سياقها التاريخي والعلاقة السببية التي تربط بين العوامل المتداخلة في هذه القضية المعقدة الشائكة، والتي اخضعت بكل سهولة وبساطة لأكبر عملية تسطيح..

ولنبداء بالتضليل الايدلوجي باستخدام الافكار الأصولية للانجيليين الذين منهم ادارة بوش

ولعل أشهر الأصوليين الإنجيليين من الذين يُبشرون على شاشة التلفزيون بنظرية (هرمجدون) هو بات روبرتسون ويشاهد برامجه أكثر من 16 مليون عائلة أمريكية، وجيمي سواغرت الذي ناظره الشيخ أحمد ديدات شفاه الله (9,25 مليون منزل). وجيم بيكر ويُشاهد برامجه حوالي 6 ملايين منزل، وهو يعتقد أن علينا أن نخوض حربا رهيبة، لفتح الطريق أمام المجيء الثاني للمسيح. وجيري فولويل (5,6 مليون منزل)، وهو على علاقة وثيقة بجورج بوش (الأب) الذي كان نائب الرئيس ريغان آنذاك. ومن هؤلاء أيضا كينين كوبلاند، يُشاهد برامجه 4,9 مليون منزل، وهو يقول : " أن الله أقام إسرائيل. إنّنا نُشاهد الله يتحرك من أجل إسرائيل … إنه لوقت رائع أن نبدأ في دعم حكومتنا، طالما أنّها تدعم إسرائيل … إنه لوقت رائع أن نُشعر الله، مدى تقديرنا لجذور إبراهيم ".
هؤلاء هم أشهر المؤمنين بهذه النظرية وهناك من بين أربعة آلاف أصولي إنجيلي، هناك 3 آلاف من التدبيريين، وهؤلاء يعتقدون أن كارثة نووية فقط، يمكن أن تُعيد المسيح إلى الأرض.
بالمناسبة هذه الأفكار لا تهمس في سراديب الكنائس أو منابر الوعظ فقط، بل تبث عبر 1400 محطة دينية في أمريكا، وقد تابعت أنا ما يسمى بقناة الإله (God TV) ولاحظت كيف أن المبشرين يعظون الناس وعن يمينهم علم الولايات المتحدة وعن يسارهم علم إسرائيل.
وكذلك تبث هذه العقائد عبر 400 محطة راديو. وخلاصة تعاليم هؤلاء هي أنه: "لن يكون هناك سلام حتى يعود المسيح، وأن أي تبشير بالسلام، قبل هذه العودة هو هرطقة ( تخريف وكفر )، إنه ضد كلمة الله إنه ضد المسيح ". وهذا ما يقوله أيضا ( جيم روبرتسون ) التلفزيوني الإنجيلي الذي دعاه الرئيس (ريغان)، لإلقاء صلاة افتتاح المؤتمر الحزب الجمهوري عام 1984م.
وهناك كتاب اسمه (آخر أعظم كرة أرضية) وهو يبشر بذات الفكرة وقد بيع منه بعد صدوره حوالي 18 مليون نسخة، ويعلم الله كم مليون أمريكي آخر قرأ هذا الكتاب حتى الآن.
يقول مؤلف الكتاب: والمأساة ستبدأ هكذا : كل العرب بالتحالف مع السوفييت (الروس )، سوف يُهاجمون إسرائيل ". ويقول: "إن القوة الشرقية سوف تُزيل ثلث العالم … عندما تصل الحرب الكبرى إلى هذا المستوى، بحيث يكون كل شخص تقريبا قد قُتل، ستحين ساعة اللحظة العظيمة، فيُنقذ المسيح الإنسانية من الاندثار الكامل (الفناء) ". ويُتابع: "وفي هذه الساعة سيتحول اليهود، الذين نجوا من الذبح إلى المسيحية ".
يقول أحد القساوسة من المؤمنين بهذه العقيدة: "إننا نصلي بالفعل من أجل السلام في القدس … إننا نحترم كثيرا رئيسيّ حكومتيّ إسرائيل ومصر … ولكن أنت وأنا نعرف أنه، لن يكون هناك سلام حقيقي في الشرق الأوسط، إلى أن يأتي يوم يجلس فيه الإله المسيح (تعالى الله كما يقولون) على عرش داود في القدس ".
الرئيس الأمريكي السابق رونالد ريغان كان واحدا من الذين قرءوا هذا الكتاب وذلك في عام 1986م، واستنادا إلى الرئيس السابق لمجلس الشيوخ في ولاية كاليفورنيا، فإن ريغان كره ليبيا، لأنه رأى أنها واحدة من أعداء إسرائيل، الذين ذكرتهم النبوءات، وبالتالي فإنها عدو الله ".
ولم يتوقف ( ريغان ) في انتخابات الرئاسة عن الحديث عن هرمجدون، ومن أقواله : " إن نهاية العالم قد تكون في متناول أيدينا … إن هذا الجيل بالتحديد هو الجيل الذي سيشهد هرمجدون ". وقد كان ريغان يظن أن التزامه القيام بواجباته (ومنها إضعاف العرب وخصوصا جيران إسرائيل)، تمشيا مع ارادة الله.
طبعا ليس كل نصارى العالم يؤمنون بذلك، فعلى سبيل المثال يرى نصارى فلسطين بأن الصهاينة يُفسدون تعاليم المسيح. وأن هذه العقيدة سياسية ولا علاقة لها بالدين.
ولذلك بدأ الإسرائيليون باستخدام أمثال أولئك القساوسة المتطرفون لتحقيق أغراضهم ومطالبهم، وتأييد سياساتهم لدي الشعب والساسة الأمريكان، وقد بلغ الأمر أن أحدهم كان يقول: "إن الله يُحب أمريكا، لأن أمريكا تُحب اليهود ". ويقول ايضا للأمريكيين: "إن قدر الأمة يتوقف على الاتجاه، الذي يتخذونه من إسرائيل … وإذا لم يُظهر الأمريكيون، رغبة جازمة في تزويد إسرائيل بالمال والسلاح، فإن أمريكا ستخسر الكثير ".
وطبعا قامت الصهيونية بإبراز هؤلاء ليصبحوا شخصيات سياسية وإعلامية مرموقة على الساحة الأمريكية، لدرجة أن الرؤساء كرونالد ريغان وجورج بوش (الأب) كانوا يدعونهم ويقبلون دعوتهم.
بالنسبة لأصحاب الفكر التدبيري فإن هدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل، مطلب إلهي منصوص عليه فيه التوراة، كما يعتقد مسيحيو الغرب، فضلا عن يهود الشرق والغرب، وينتظر هؤلاء المتعصبون من الإرهابيين اليهود أن ينسفوا الأماكن المُقدّسة و( فكروا في قصف المسجد الأقصى بالطائرات أو ، مما سيتسبّب في إثارة العالم الإسلامي، ودفعه إلى شنّ حرب على إسرائيل، مما يحمل المسيح على التدخل، وطبعا لا يمكن لذلك إلا بعد بناء هيكل يهودي ثالث ".
هل كل المسئولين السياسيين والعسكريين الأمريكان يؤمنون بهذه النظرية وينطلقون منها ؟ الجواب كلا فمنهم من هو ملحد لا دين له، وبعضهم ينظر للأمر من الناحية السياسية أو الاقتصادية البحتة، ومع ذلك يبقى أن أثر اليهود على المؤسسات صانعة القرار في أمريكا كبير ومؤثر خصوصا وأنهم يبسطون نفوذهم على قطاعات غاية الأهمية كقطاع المال والإعلام.
طبعا هذا غير ماصرح به المستشار الألماني السابق حول محادثة تلفونية مع جورج بوش يحظ على المشاركة بالحرب بدعوة يأجوج ومأجوج والترهات التوراتية التي يرتكز عليه بوش .
نصوص التوراة المحرفة (كتب العهد القديم)، والتي هي عبارة عن بقايا مشوّهة لرسالات أنبيائهم، مع تفسيرات وتوجيهات أحبارهم، وكذلك المعتقدات والأساطير والخرافات التي كانت متداولة في وقت تدوينها، أو حتى تلك التي سبقتها. هذه النصوص جعلت المتعصبين من النصارى يتحدثون بنشوة عن يهوه وهو يسحق الرؤوس، ويملأ الأرض بجثث غير المؤمنين، وعن الرغبة من الانتقام، من أطفال بابليين (عراقيين) وإلقائهم فوق الصخور.
إن ما يتعرض له العراق اليوم ما هو إلا حرب دينية في المقام الأول فهذا الحلف بين إسرائيل والولايات المتحدّة هو حلف عقائدي عسكري تُغذيه النبوءات التوراتية والإنجيلية المزروة، وللعلم فإن هناك أكثر من عشرين يهودي في إدارة بوش الحالية (راجع مقال اليهود في الإدارة الأمريكية بالأسماء والمناصب لمحمود مراد).
إن خطة العدوان علي العراق هي خطة إسرائيلية وضعها صهيوني أمريكي اسمه (ريتشارد بيرل) وهو الذي يترأس مجلس السياسات الدفاعية بالبنتاجون ويعمل مستشارا لوزير الدفاع دونالد رامسفيلد، وقد أعد هذه الخطة بمشاركة عناصر من اللوبي اليهودي الصهيوني وجري اقناع الرئيس بوش بتبنيها. (تقرير كتبه مصطفي بكري بعنوان بوش يخوض حربا دينية تحت شعار عودة المسيح(
تخبرنا هذه النصوص بأن اليهود لم ينسوا أبدا تخريب دولتهم الأولى على يد ملوك بابل، كما تنص عليه توراتهم في أكثر من ثلثها، وهم ينسبون ذلك إلى بختنصر (نبوخذ نصر) وهو ما يُسمّى تاريخيا (السبي البابلي) أو (السبي الآشوري).
كما يعتقد اليهود بأن تخريب دولتهم الثانية سيكون أيضا على أيدي البابليين وهم أهل العراق، وهم لذلك يرغبون وبقوة في ضرب العراق وتدميرها إنتقاما من وعد المرة الأولى وتفاديا لوعد الآخرة (المرة الثانية) كما في قوله تعالى: (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا) (الإسراء 7 ) ولذلك قاموا بتزوير التوراة، وملئوها بمشاعر الحقد والقهر والنقمة والرغبة في الانتقام، ومن أمثلة ذلك هذا النص من التوراة: "داس مُضطهدونا أعناقنا، أُعيينا ولم نجد راحة، خضعنا باسطين أيدينا إلى أشور ومصر، لنشبع خبزا، " والنص الآخر كما جاء في تلمودهم عن العرب: (كانوا قادة تخريب الهيكل مع نبوخذ نصر).
وتقول توراتهم: "وفي ختام السبعين سنة أُعاقب ملك بابل وأمّته (العراق)، وأرض الكلدانيين على إثمهم، وأُحولها إلى خراب أبديّ، يقول الرب"
وتقول توراتهم محذرة من العراق كما في (حزقيال): "وأوحى إليّ الربّ بكلمته قائلا : أمّا أنت يا ابن آدم، فخطّط طريقين لزحف ملك بابل. من أرض واحدة تخرج الطريقان"
هذه النبوءات التوراتية حفرت في عقول اليهود ومن خلفهم الأمريكان النصارى إشارات لا تمحى، وكونت لديهم مواقف لا تقبل النقاش من العراق وبقية جيران إسرائيل، مما جعلهم يحرصون على حرمان الدول المعادية لإسرائيل والقريبة منها من أي قدرة عسكرية، والسعي للقضاء عليها إن وجدت وتدميرها. (وللاستزادة في هذا الشأن اقرأ كتاب نهاية إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية لخالد عبد الواحد)
تقول توراتهم (أشعياء 14: 29) لا تفرحي يا كلّ فلسطين ( إسرائيل )، لأن القضيب الذي ضربك قد انكسر. فانه من أصل تلك الأفعى يخرج أُفعوان، وذريّته تكون ثعبانا سامّا طيّارا … ولول أيّها الباب، ونوحي أيّتها المدينة، ذوبي خوفا يا فلسطين قاطبة، لأن جيشا مُدرّبا قد زحف نحوك من الشمال … ".
وتقول أيضا : (انظروا، ها شعبٌ زاحف من الشمال، وأمّة عظيمة تهبّ من أقاصي الأرض، …، لمحاربتك يا أورشليم (بلد السلام - القدس).
وفي نص آخر من توراتهم المحرفة ينسبون إلى الرب أنه قال متوعدا بني إسرائيل: (وآتي بهم عليك من كل ناحية، أبناء البابليين، وسائر الكلدانيين (العراق)، ومعهم جميع أبناء أشور (سوريا).
فهل نستغرب بعد ذلك أن هذه الحرب المجنونة التي يعترف الجميع بما فيهم السياسيون الأمريكيون بأن المحرض الأول عليها هم اليهود إنما هي تنفيذ لمخطّطات أحبار اليهود القديمة التي كتبوها للانتقام من أهل بابل أو كما يصفونها (بنت بابل) أي العراق الجديدة.
وتقول التوراة المحرفة أيضا: "ها هو يوم الرب قادم، مفعما بالقسوة والسخط والغضب الشديد، ليجعل الأرض خرابا ويبيد منها الخطاة … والشمس تظلم عند بزوغها ( كسوف )، والقمر لا يلمع بضوئه ( خسوف ) . وأعاقب العالم على شرّه والمنافقين على آثامهم، وأضع حدّا لصلف المُتغطرسين وأُذلّ كبرياء العتاة … وأُزلزل السماوات فتتزعزع الأرض في موضعها، من غضب الرب القدير في يوم احتدام سخطه. وتولّي جيوش بابل حتى يُنهكها التعب، عائدين إلى أرضهم كأنهم غزال مُطارد أو غنم لا راعي لها. كل من يُؤسر يُطعن، وكل من يُقبض عليه يُصرع بالسيف، ويُمزّق أطفالهم على مرأى منهم، وتُنهب بيوتهم وتُغتصب نسائهم ".
وقد رأى العالم كيف أن القذائف التي تلقيها قوات التحالف الجائرة والتي تنطلق من بلدان أبناء يعرب تمزق الأطفال وتهشم رؤوسهم وتبقر بطونهم تماما كما يريد كاتبوا هذه النصوص.
ويقول نص آخر "فتسخرون من ملك بابل قائلين : " كيف استكان الظالم وكيف خمدت غضبته المُتعجرفة ؟ قد حطّم الرب عصا المنافق وصولجان المُتسلطين … (إلى قوله) أعدّوا مذبحة لأبنائه جزاء إثم آبائهم، لئلا يقوموا ويرثوا الأرض فيملئوا وجه البسيطة مُدناً. يقول الرب القدير : " إني أهبّ ضدهم، وأمحو من بابل، اسماً وبقيةً ونسلاً وذريةً، وأجعلها ميراثاً للقنافذ، ومستنقعاتٍ للمياه، وأكنسها بمكنسة الدمار ". ويفسرون (مكنسة الدمار) بأنها القنابل النووية.

ولنا أن نسأل كيف يأمرهم الله بتدمير العراق وإبادة أهله، وتمزيق أطفاله؟ هل الله أن يأمر أو يُحرّض على الإفساد في الأرض، بل إن الله عز وجل قد توعد اليهود (بني إسرائيل) بالتدمير لأنهم سيفسدون في الأرض كما في سورة الإسراء: (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا ... الآية) فالله عز وجل سيعاقبهم لعظم ما أفسدوه في أرضه، ولأجل الإفساد ذاته فكيف يأمر به؟ ومع ذلك فهذه النصوص التحريضية للأسف الشديد يؤمن بها كثير من النصارى الأمريكان وعلى رأسهم الرئيس بوش الابن الذي نقلت عنه (مجلة النيوزويك في عدد 10 مارس) أنه وهو وأنصاره من الانجيليين يأملون أن تكون الحرب القادمة علي العراق فاتحة لنشر المسيحية في بغداد"
بوش الذي يعتبر أحد أعمدة طائفة 'الميسوديت' المعبرة عن التحالف الصهيوني المسيحي، والذي يعزو البعض نجاح بوش في حياته السياسية بأنه توقف علي هذه الطائفة التي تشكل خليطا من الصهيونية والمسيحية.
وكذلك البريطانيين وعلى رأسهم توني بلير رئيس الوزراء البريطاني الذي انضم إلي طائفة الميسوديت منذ ثلاثة أعوام وأصبح منتظما في قراءة الكتاب المقدس للميسوديت وأداء كل طقوس العبادة التي تقرها هذه الطائفة. وقد كان لانضمام بلير إلي الطائفة الفضل في وجود لغة مشتركة بينه وبين بوش، حيث يعتبر بلير أن بوش أستاذه في الطائفة.
ونعود إلى نصوص التوراة التي تقول: "فها أنا أُثير وأجلب على بابل، حشود أُمم عظيمة ( إلى قوله) فتصبح أرض الكلدانيين غنيمة، وكل من يسلبها يُتخم"
وتحرض على تدمير بابل فتقول: "اسمعوا ها جلبة الفارّين الناجين، من ديار بابل ليذيعوا في صهيون، أنباء انتقام الرب إلهنا والثأر لهيكله، استدعوا إلى بابل رماة السهام، (إلى قوله) جازوها بمُقتضى أعمالها، واصنعوا بها كما صنعت بكم"
وتحرض على القتل والسلب، ولنهب مدخرات العراق: "ها سيف على عرّافيها فيصبحون حمقى، وها سيف على مُحاربيها فيمتلئون رعبا. ها سيف على خيلها وعلى مركباتها، وعلى فِرق مُرتزقتها فيصيرون كالنساء، ها سيف على كنوزها فتُنهب"
وتقول توراتهم عن التحالف: "وقد اصطفوا كرجل واحد، لمحاربتك يا بنت بابل" ويقولون: " لذلك اسمعوا ما خطّطه الربّ (وحاشاه عن ذلك) ضدّ بابل ، وما دبّره ضد ديار الكلدانيين، ها صغارهم يُجرّون جرّا، ويُخرّب مساكنهم عليهم. من دوي أصداء سُقوط بابل ترجف الأرض، ويتردّد صراخها بين الأمم ".
وتقول توراتهم عن شعب إسرائيل: (أما نصيب يعقوب فليس مثل هذه الأوثان، بل جابل كل الأشياء. وشعب إسرائيل ميراثه، واسمه الرب القدير، أنت فأس معركتي وآلة حربي، بك أُمزّق الأمم إربا وأُحطّم ممالك، بك أجعل الفرس وفارسها أشلاء، وأهشّم المركبة وراكبها، بك أُحطّم الرجل والمرأة، والشيخ والفتى والشاب والعذراء، بك أسحق الراعي وقطيعه، والحارث وفدّانه والحكّام والولاة ".
وهناك نصوص واضحة تبين دوافع الانتقام: "قد افترسنا نبوخذ نصر ملك بابل، وسحقنا وجعلنا إناءً فارغا، ابتلعنا كتنّين، وملأ جوفه من أطايبنا، ثم لفظنا من فمه ". يقول أهل أورشليم : " ليحُلّ ببابل ما أصابنا، وما أصاب لحومنا من ظلم ". ويقول نص آخر: " كما صرعت بابل قتلى إسرائيل، هكذا يُصرع قتلى بابل في كل الأرض" في كل الأرض وليس فقط في العراق، ولذلك صاروا يطالبون بطرد السفراء من جميع دول العالم.
والخلاصة هل يشك عاقل بعد كل هذه النصوص بدوافع اليهود الدينية لحرب العراق، هذا أولا. ثم هل يشك من له أدنى علم بحقيقة مراكز القوى في أمريكا بدور اليهود الكبير في توجيه السياسة الأمريكية؟
أما بالنسبة للدول العربية، فإنهم قد علقوا بالشرك الذي نصبه أعدائهم لهم، وارتموا للأسف الشديد في أحضان جلاديهم، فدور كثير من الدول العربية في هذه المؤامرة غير يسير، بعلم وبدون علم، برغبة منهم، أو رغما عنهم، وكثير منهم أدى دوره كما رسم له، وأخذ نصيبه (بعضهم نقدا مقدما وبالدولار) !!.

بعض الأساليب الدعائية الأمريكية في الحرب العراقية

لقد شنت أمريكيا وحلفاؤها حربا نفسية شرسة على العراق قبل انطلاق الحملة العسكرية من أهم مظاهرها:
الإعلان المستمر أن العراق يربطه بالقاعدة رابط قوي وأنه يدعم( الإرهاب) في فلسطين ومحاربته ضرورية لأنها تأتي ضمن الحملة الدولية لمحاربة الإرهاب .
التأكيد على أن العراق مازال يملك قدرة على إنتاج أسلحة الدمار الشامل التي يهدد بها الأمن والسلامة في العالم وخاصة جيرانه من عرب ويهود ، لذلك لابد من إنهاء زحف شره على العالم الآمن .
التصريحات المستمرة لقادة المحور الأمريكي حول الحرب فمثلا: كوفي عنان يؤكد على أن الحرب ليست حتمية ، وتوني بلير يعلن أن بريطانيا مستعدة للحرب بدون الرجوع لمجلس الأمن ، وقيادة الحلف الأطلسي توضح أن الانقلاب في المنطقة وشيك … وجاءت هذه التصريحات وغيرها من باب اللعب على وتر الأعصاب وهز النفوس وإضعاف الهمة والمعنويات .
خطاب وزير الخارجية الأمريكي كولن باول أمام مجلس الأمن وما تضمنه من اتهامات ، وافتراءات ومعلومات موظفة نحو الهدف نفسه.
الكشف باستمرار عن نوعية الأسلحة المزمع استخدامها وكذلك حجم الجيوش واعتمادها على السلاح النووي والأقمار الصناعية … في خطوة لإرهاب العالم وإظهار كبرياء أمريكا و قدراتها العسكرية الفائقة …
الكشف في وسائل الإعلام بطرق رسمية و غير رسمية عن السيناريوهات المطروحة والمتوقعة للحرب والتركيز على أن المطلوب هو صدام حسين وحكومته ومقدراتهم الشخصية وقصورهم ومسقط رؤوسهم وليس الشعب العراقي كله وذلك يأتي في سياق التحريض والتفرقة بين القيادة والشعب .
كذلك إعلان الولايات المتحدة وحلفائها أن الحرب قد لا تندلع في حالة تنحي صدام حسين وقبوله النفي الاختياري دون تقديمه للمحاكمة .
التحرك الأوروبي بقيادة بريطانيا فيما عرف برسالة الدول الثمان التي طالبت مجلس الأمن بالتعاون مع أمريكا ضد العراق وهذا لتوضيح أن معاداة العالم للعراق تتزايد .
إصدار الأوامر للرعايا الأمريكان والدبلوماسيين بالحذر ومغادرة دول الجوار المحيطة بالعراق في خطوة تحذيرية وتنبئة بقرب الحرب .
الإعلان المستمر عن مواعيد الضربة ومدتها فتارة منتصف فبراير ، وأخرى آخره، وثالثة لن تتعدى نهاية مارس … ثم هي نزهة أسبوع أو أسابيع ستة على أكثر التقديرات وأن السيطرة ستتم من أول ليلة للضربة .
كل ذلك وغيره من التصرفات والتصريحات والإعلانات يأتي من باب التقديم لتحقيق هزيمة نفسية للعراق ومن يقف معه من أجل الإرهاب والتخويف والتخذيل لتسهيل المهمة وتحقيق ماهو خافي من أهداف بأقل الخسائر .
إستخدام مصطلح "صدام" أو "حزب البعث" : فالإعلام الأمريكي والغربي عامة لا يقول بأنه يحارب "دولة العراق" بل يردد بأنه يحارب "صدّام" أو حكومة "صدام" أو "حزب البعث" وهذا يهدف إلى تقليل تفاعل الجموع القومية و الإسلامية مع العراق لكون المُحارَب لم يزل عدو للإسلام والمسلمين في نظر أكثر الناس نتيجة الاعلام المظلل ..
التركيز على إستخدام ألفاظ كـ "الأكراد" أو "كردستان العراقية" للإيحاء بإقرار الحكومة الأمريكية بحق الأكراد في وطن قومي لإستجلاب الأكراد في صفهم وللتفريق بينهم وبين باقي الشعب العراقي ، وقد رأينا مثل هذا في الحرب الأمريكية على أفغانستان حيث أعلن بوش عن موافقته لقيام "دولة فلسطينية" لكسب الرأي العام الإسلامي (فهل يتعظ بعض الأكراد) ....
الضرب على وتر "الشيعة المضطهدين" في العراق ، أو الأقليات المضطهدة فيها للتفريق بين العراقيين وربما التحريش بينهم ليكونوا كأفغان الشمال الذين وقعوا في الفخ الأمريكي بكل سهولة فأصبحوا كبش فداء القوات الأمريكية الغازية لبلادهم ، وللتقليل من تدخل شيعة إيران في الحرب : حيث أنها أتت لتخليص إخوانهم من الطاغية "صدام" ....
التذكير بماضي "صدام" في الوسائل الإعلامية لكسب الرأي العام القومي الإسلامي خاصة والعالمي عامة ، وهذا يصرف النظر (بعض الشيء) عن تاريخ أمريكا الدموي في جميع أنحاء العالم ..
تكرار أسماء الدول العربية التي تنطلق منها القوات الأمريكية (كالكويت وقطر وغيرهما) لخلق نوع من السخط في الشارع الإسلامي على هاتين الدولتين ومن ثم عزلهما عن باقي جسد الأمة ، وبهذا يسهل إبقائهما كقاعدتين دائمتين للقوات الأمريكية في المنطقة ، ولصرف نظر البعض عن الغزو الامريكي واشغالهم بنقد هذه الدول ، وللإيحاء بأن العالم العربي في صف القضية الأمريكية العادلة (لسماح الدول العربية بانطلاق الطائرات والصواريخ الأمريكية منها)
التركيز على تكرار الأسباب المُعلنة للحرب : كنزع الأسلحة ، وتخليص العالم من "صدام" وغيرها من الأسباب التي قد تصبح في يوم من الأيام من المسلّمات بسبب التكرار . والتركيز على "أسلحة الدمار الشامل العراقية" يصرف النظر عن استخدام أمريكا وبريطانيا لهذه الأسلحة ضد العراقيين (وقد استخدم الجيش الأمريكي القنابل العنقودية في اليوم الثاني من الحرب على العراق) ..
يركز الإعلام الغربي على إظهار صافرات الإنذار الكويتية وتصوير مشاهد من الكويت وهي تتعرض للقصف العراقي ، وذلك لكسب الرأي العام العربي ....
يستخدم الإعلام الغربي بعض المرتدين العرب (كتاب البترودولار) من الكويت وغيرها للدفاع عن هذه الحرب الامريكية ضد العراق في وسائل الإعلام العربية ، فإذا دافع العرب عن الأمريكان فليس لأحد الإعتراض على أمريكا !! وهؤلاء أشبه ما يكونون بـ "كلاب القافلة" التي تنبح حولها ولكن لا ناقة لها في القافلة ولا جمل ....
عمدت القوات الأمريكية بمساندة قوات "طالباني" و "بارزاني" المرتديْن على منع الصحفيين من التواجد في مناطق الأحزاب الإسلامية الكردية في شمال العراق وذلك لمنعهم من نقل ما يدور هناك من قصف أمريكي عنيف وقتل للأكراد المدنيين العُزّل من قبل الأمريكان ، ولو أن الإعلام نقل ذلك لتفككت أواصر الصلة بين بعض الأكراد والأمريكان ولأدرك الأكراد بأن الأمريكان لم يأتوا لتحريرهم من "صدام" ....
يبث الإعلام الغربي صور لأسرى عراقيين ، وتُضخّم التصريحات الأمريكية والبريطانية أعداد الأسرى وتُعلن بين ساعة وأخرى عن استسلام الجنود العراقيين لتبث حالة من اليأس في صفوف الجيش العراقي ، وكذلك تُعلن عن إضطرابات داخلية في الحكومة العراقية أو إشاعات بمقتل "صدام" تهدف من ورائها إلى نشر حالة من الفوضى في صفوف القادة الميدانيين وأفراد الجيش العراقي
تُعلن الحكومة الأمريكية عن سقوط المدن تباعاً في يدها لقتل روح المقاومة في الجيش العراقي ولخلق حالة من الذعر والهلع في صفوف المدنيين العراقيين ....
المراقب للإعلام الأمريكي يرى بأنه لا ينقل الجانب المعماري أو الحضاري للمدن العراقية ، وكل ما ينقله هو ليل العراق المظلم مع المناظر الصحراوية ليُعطي انطباعاً للشعب الأمريكي (الجاهل) بأن حكومته إنما تحارب بلد صحراوي متخلّف ليس فيه جانب حضاري (وهكذا في نقلها من جميع البلاد العربية) ، واستخدمت أمريكا هذه الطريقة في حربها الباردة مع السوفييت التي ما كانت تنقل على شاشاتها إلا صور المسنيين الذين تنتقيهم إنتقاءً ليكونوا أقبح الموجودين ، وتنقل معها أيام موسكو الباردة المظلمة ..
حاولت الحكومات العربية الضرب على وتر العقيدة البعثية عن طريق بعض العلماء المرتزقة لتفريق الصف القومي والإسلامي وصرف الناس عن مساندة العراق بحجة أن حاكمه وحزبه من العلمانيين الكفار (مع أن هؤلاء الحكام ارتكبوا أكثر من ناقض من نواقض الإسلام ،)
بعض اجرائات الحكومة بالرد الاعلامي
تركيز الحكومة العراقية على المعاني القومية والإسلامية في خطاباتها وتصريحاتها لتكسب الرأي العام القومي الإسلامي ، وابتعدت عن التركيز على "البعث" أو على شخص صدام .
التركيز على قومنه و أسلمة القضية ومخاطبة أحفاد صلاح الدين من منطلق القومي وإسلامي شرعي تاريخي ، مع بيان الأسباب الحقيقية للحملة الامريكية على بلاد العرب و الإسلام
قامت الحكومة العراقية إعلان أن الجيش الأمريكي هو المتسبب في هذا القصف بتواجده في الكويت وبناء قواعده فيها ، وأن الشعب الكويتي ليس هو المستهدف في هذا القصف ، وأن الأمريكان يقصفون المدنيين العراقيين من الكويت فيجب الرد عليهم وعلى مواقعهم العسكرية ، وإذا كانت القنابل الأمريكية الذكية تُخطئ أهدافها بين الحين والآخر ، فالقنابل العراقية من باب أولى
ركز الإعلام العراقي بتذكير الناس بما جنته الحكومة الأمريكية على شعوب العالم وفضح تاريخها الأسود ..
قامت الحكومة العراقية بمخاطبة الشعوب العربية والإسلامية وعدم استعداء أي شعب (وخاصة شعوب دول الجزيرة والشام) ، والتفريق بين الشعوب وحكوماتها والتصريح بأن أمريكا أرغمت حكومات هذه الدول على التعاون معها بغير إرادتها ..
قامت الحكومة العراقية بتذكير الناس بتاريخ أمريكا في استخدام أسلحة الدمار الشامل ضد بعض الدول وكشف استخدام أمريكا وبريطانيا للقنابل "المحرمة دولياً" في حربها الحالية برغم إعلانها أنها بدأت الحرب لتخليص العالم من هذه الأسلحة ، وبهذا يكون للعراق الحق في الدفاع عن نفسه بأسلحة مشابهة !!
فضح ووصفهم المتعاونين مع امريكا بما يليق بهم من الألقاب : كالعملاء المنافقين ، وأذناب الإحتلال المرتدين ، وغيرها من المصطلحات التي برع فيها العراقيون ، ولكن ينبغي أن تكون هذه الألقاب ذات صبغة إسلامية
عملت الحكومة العراقية على توصيل صور ضحايا الأكراد جراء القصف الأمريكي للإعلام المحلي العراقي وللإعلام والعربي والدولي
أحسن العراقيون بإظهار الأسرى الأمريكان على شاشات التلفاز ، ولا ينبغي لهم الإستماع إلى الأمريكان بضرورة معاملة الأسرى وفق معاهدة جنيف ، وإن استخدم الأمريكان سلاح القوانين الدولية فعلى العراقيين تذكير العالم بأسرى جوانتنامو ..
صد هذه الهجمة النفسية بالإعلان عن سقوط أعداد كبيرة من القتلى والأسرى في صفوف الأمريكان والبريطانيين لإرباك هذه القوات ولتهييج الرأي العام في هاتين الدولتين
قامت الحكومة العراقية بإبراز الجانب المدني والجمالي من الآثار والعمران في المدن العراقية على شاشات التلفاز ليفهم الشعب الأمريكي بأن هذه المدن وهذه البلاد عامرة زاخرة لها تاريخ عريق ..
كما قام العراق ومعارضو الحرب بشن حملة نفسية معاكسة بغرض إحباط الحملة ضده أو على الأقل الحد من آثارها ، من أهم مظاهرها:
التلويح المستمر بحركة الوعي المتنامية في الشارع العربي والإسلامي والدولي، وزيادة المعاداة للسياسات والإدارة الأمريكية
التوضيح والتحذير بأن العراق هو بداية وليس نهاية ومقدمة لاستهداف دول المنطقة كلها وأن خسائر اقتصادية كبيرة وضخمة ستلحق بالعرب.
النفي الصريح والسريع لكل افتراءات أمريكا وتوضيح أهدافها الحقيقية والخفية من الحرب وخاصة البترول وصياغة المنطقة لصالح( إسرائيل)
الربط الذكي بين الرغبة بالحرب ومصالح دولة( إسرائيل) مستغلا مشاعر الغضب ضدها على ما تقوم به ضد الفلسطينيين .
التركيز على المضمون العقائدي والديني في خطابات وتصريحات قادة العراق وبأن المستهدف هو الإسلام والأمة والكرامة العربية .
توضيح أن الحرب سوف تزيد الهجمات ( الإرهابية ) في العالم وستؤدي إلى كارثة بحق المنطقة بأسرها .
تحذير بعض محامي انجلترا لتوني بلير بأنه سيكون مجرم حرب في حالة مشاركته الولايات المتحدة الحرب ضد العراق .
ظهور صدام لأول مرة منذ فترة طويلة في مقابلة متلفزة مخاطبا الشعوب والرؤساء وموضحا الكثير من الحقائق المفندة للمزاعم الأمريكية .
الاستغلال الحسن لحركة المعارضة في مجلس الأمن وخاصة فرنسا وألمانيا وروسيا والصين .
تعبئة الشارع العراقي وتسليحه بكافة شرائحه وقطاعاته ، والإعلان أن العراق لن تكون نزهة " لهولاكو " العصر ( أمريكا ) وأنها ستكون مقبرة للمعتدين، وأن العراقيين قادرون أن يقتلوا مليون أمريكي في الحرب .
التعاون الواضح مع مفتشي مجلس الأمن وحل الإشكاليات معهم باستمرار حسب الأوضاع وتسليمهم وثائق وأوراق مهمة وتمكينهم من استجواب خبراء دون طرف ثالث ….
ولحسن الحظ أن الإدارة الأمريكية لم تصل بعد إلى المستوى المطلوب إعلامياً بحيث تستطيع التأثير على الرأي العام العالمي في الحروب (وإن كانت تملك أضخم القنوات الإعلامية في العالم) ، فقد رأينا في حرب الصومال كيف أنها حضّرت له إعلامياً لأكثر من سنتين ينقل إعلامها المجاعات والصور لأطفال الصومال ، ثم بدأت عملية احتلال الصومال تحت غطاء المساعدات الإنسانية ولكن سرعان ما انكشف زيف إدعاءاتها للعالم بعد أن اصطدمت قواتها بالمجاهدين الصوماليين الذين برهنوا للدنيا بأن الأمريكان غير مرغوب بهم من قبل سكان الصومال ، فقد زعمت أنها أتت لمساعدة الصوماليين وإذا بها تقتلهم .. ويجب أن ننبه بأن الحكومة الأمريكية قد تُسلم الحرب الإعلامية للبريطانيين الذين هم من أخبث الناس في هذا المجال لخبرتهم الطويلة ومعرفتهم الكبيرة بالنفسية العربية والإسلامية ..
ونستطيع القول أن العراق نجح في تسجيل إنجازات واضحة على صعيد الحرب الإعلامية أهمها:

1- ملاحقة الدعاية الأمريكية وتفنيدها من خلال الأدلة والبراهين والتصوير وعقد المؤتمرات الصحفية.

2 - إبراز بشاعة العدوان من خلال تصوير المجازر ضد المدنيين في البصرة والموصل وبغداد…ومن خلال تصوير الأماكن المدنية التي تعرضت للقصف.

3 - توضيح شراسة المقاومة في كافة الأماكن من خلال الصوت والصورة لأسرى وقتلى وجرحى للجيش المعتدي ،وآلياته المدمرة من طائرات ودبابات…

أسباب هذه الإنجازات

وأرى أن هناك ثمة أمور ساهمت في رفع معنويات الشعب والجيش العراقي أهمها :

4 - حركة الاستنكار المستمرة لبعض دول العالم الرئيسة مثل فرنسا والصين وروسيا وألمانيا…

5تصاعد الاحتجاج الجماهيري وتحولها إلى مصادمات خاصة الدول العربية.

6 - تنامي المعارضة داخل دول التحالف نفسها .

7 - شعور العراقيين بالظلم وإحساسهم بالهيمنة والعربدة للمعتدين.

كيف يتعامل الشارع القومي والاسلامي مع هذه الحرب الإعلامية:

الحرب الإعلامية – كما بينا – لها أهمية كبيرة لا يمكن تجاهلها من الطرفين ، فكيف نتلقى هذه الأخبار وهذه التصريحات !! وكيف نواجه هذه الحرب الإعلامية !!
لقد فقدت أجهزة الإعلام الغربية مصداقيتها فلم تعد نزيهة (كما كان يظن البعض) بل لم تكن نزيهة في يوم من الأيام ، وإنما كان الإعلام الغربي أفضل من الإعلام العربي الرسمي فقط ، وهذا من قبيل أفضل الموجود ، أما الآن فقد أصبحت الأخبار تُنقل من وسائل متعددة كثيرة يصعب التعتيم عليها أو كتمانها ، فلا ينبغي التعويل على الأخبار المنقولة في وسائل الإعلام الغربية ولا ينبغي نشرها بين الناس إلا في نطاق ضيق يخدم المصلحة الإسلامية العامة ..
لا يمكن التأثير إعلامياً على من يمتلك جملة من الإعتقادات الثابتة الراسخة ، فلا بد من غرس عقيدة الولاء والبراء ، والحب في الله والبغض في الله ، وحقيقة وحدة الأمة العربية والإسلامية.
لا بد من الحذر الشديد من المنافقين والمرجفين في صفوفنا ، فليس كل من تكلم بلغتنا ولبس لباسنا وظهر بمظهرنا يكون على قلب أتقى رجل منا !! فالقنوات الإعلامية الرسمية في الدول العربية ليس لها رسالة إلا تحقيق مصالح حكوماتها ، وهناك الكثير من العرب (الذين باعوا دينهم بدنيا حكامهم) وظيفتهم تثبيط الامة وتخذيلهم والتحريش بينهم ، وسترون أغلب هذا في الإذاعات الكويتية التي تمكن منها الذين لا يمثلون الشعب الكويتي وإن زعموا ما زعموا. كما أن معظم القنوات العربية يسيطر عليها الذين يوالون الأمريكان من منطلق عقدي ..
ينبغي الحذر من الفُرقة والشتات الفكري في النوازل ، فمع كل نازلة تنتشر المواضيع التي تُطرح على الساحة لإشغال العامة والرأي العام الإسلامي: الإنشغال بالطعن في الدين ، إشغال الناس بالخلاف بين السنة والشيعة ، إستحداث قضايا مدنية ذات بعد فقهي (كما حدث في حرب أفغانستان من قضايا : كسواقة المرأة ، وبطاقة الإئتمان ، والتأمين ... )
يجب أن نتعلم فن تحويل السلبيات إلى إيجابيات : فمن مات من المسلمين في الحرب فهو شهيد مات ميتة يتمناها كل مسلم فنحن لا نحزن لموته ، ومن مات من الكفار فهو مخلّد في النار . وإذا سقطت مدينة في يد الأمريكان فهي فرصة للمجاهدين لمواجهتهم في حرب أرضية . وإذا قصفت القوات الأمريكية المدن فإننا نستثمر هذا لزيادة بث الكراهية لهم والحقد عليهم بين الجموع المسلمة . فكل سلبية نستطيع تحويلها إلى إيجابية تصب في مصلحة الأمة
إن جهاد اللسان (الذي هو الجهاد الإعلامي الآن) من أهم أنواع الجهاد الذي يتطلب دراية وخبرة ، وهو من الجهاد المأمور به شرعاً "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم" ، وقال عليه الصلاة والسلام "إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه" ، ولولا أهمية وخطورة هذا الجانب الجهادي لما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم ولما حث عليه .. فعلينا معرفة الأساليب الحديثة لهذا الجهاد البياني كمعرفتنا بأساليب استخدام الأسلحة الحديثة ، وينبغي لنا التنبه ومحاولة اتقاء تأثير الحرب اللسانية التي يخوضها أعدائنا ضدنا حتى لا نقع فريسة الهزيمة النفسية ..
بعد الحرب
في حرب العراق لاحظ الكثير منا أن هنالك علاقة طردية بين ما تبناه الإعلام وروج له عن الإعمال المقاومة وما نشر من أخبار تفصيلية عنها بالطريقة التي إعتمدها بعض المراسلين و المعلقين العرب من جهة و إزدياد هذه عمليات المقاومة من جهة أخرى.
الإعلام و الدعاية عمليات المقاومة له في أكثر الأحيان أهمية تزيد على العمل الإرهابي نفسه. فالإعلام و الدعاية تضمن عمليات المقاومة ديمومته كما هي تضمن استمرار المساعدات المالية له و تجنيد مقاتلين جدد يواصلون عمله.

الحرب الاعلامية بعد الاحتلال

يقول السيد ديفد كالولا في كتابه "حرب مكافحة التمرد – النظرية و التطبيق“ والذي يعتبر من أفضل الكتب التي بحثت في الموضوع حرب مكافحة التمرد، يقول حول نضرة المتمردين لأهمية الإعلام :
“ الهجوم على دورية مسلحة (للعدو) ربما شكل نجاحاً عسكرياً ، لكنه إذا لم يضمن دعم السكان و يحولهم ضد الأمريكان لا يعتبر نصر كاملا“.
وحتى المكاسب السياسية و المالية التي حققتها في الآونة الأخيرة بعض الوجوه السياسية للمقاومة و القوى العراقية الوطنية ، إن هذه المكاسب كانت مقرونة بنشاط هذه القوى الإعلامي المتناسق مع الأعمال المقاومة. فالأعمال المقاومة دون تغطية إعلامية لها تعتبر بمفهوم حرب العصابات أعمال فاشلة. وقد إزدادت قوة المقاومة عندما وفرت له بعض الفصائل العراقية المقاومة التغطية السياسية والإعلامية
.
لم يحضى موضوع العلاقة بين المقاومة و الإعلام إلا باهتمام القليل من الباحثين، رغم أن المتخصصون بدراسة الإعلام يتفقون على أن هنالك علاقة متبادلة بينهما.
لكن رغم ذلك فهنالك بعض البحوث و المساهمات الحديثة التي حاولت معالجة موضوع العلاقة المتبادلة هذه معالجة علمية موضوعية، إستخدمت براهين رياضية معتمدة على إحصائيات ودراسة ميدانية طويلة الأمد.
المشكلة التي تواجهنا بهذا الخصوص هوعدم توفر دراسات و بحوث كافية يمكن إعتمادها في الكتابة عن هذا الموضوع. فأنت يمكنك أن تجد مراجع لا تحصى و لا تعد عن الحرب النظامية التقليدية و كذلك عن إستخدام الإعلام في مثل هكذا حرب كجهاز من أجهزتها. أما عن حرب العصابات أو التمرد أو في حروب التحرر ناهيك عن حرب المقاومة فمن الصعب أن تجد مراجع موضوعية جيدة حول هذا النوع من الحروب.
فالحرب النظامية عمرها آلاف السنين ، أما حروب التحرر و التمرد و حرب المقاومة التي تتخذ أسلوب حرب العصابات وسيلة للقتال فلا يزيد عمرها عن المئة عام.
إستخدام الإعلام في حرب المقاومة على العراق جاء مفاجئ و بقوة لم تكن متوقعة حتى من قبل قادة الجيش الأمريكي. ولا نبالغ إذا قلنا أن الإعلام العربي الذي يدعم المقاومة قد أربك الجيش الأمريكي بشكل ليس له مثيل وسبب له خسارات كبيرة سياسية و عسكرية.
الإعلام العراقي العميل لم يكن له أي دور في التصدي لإعلام المقاومة فهو بمفهوم حرب الإعلام لازال يمكن إعتباره مٌقعد و أعزل. المثل الذي يقول:“ يعمل الجاهل بنفسه ما لا يعمل العدو بعدوه " لاينطبق على أية حالة كإنطباقه على حال بعض أجهزة الإعلام العراقية، التي تتصور أنها تقارع المقاومة ، في الوقت الذي تقف فيه بلا وعي و بالاوعي الى جانب الإعلام المقاوم.
العلاقة بين الإعلام و المقاومة ليست بالضرورة علاقة مباشرة ، كما هي مؤسسة الجزيرة القطرية المتهمة بدعم المقاومة في العراق و الترويج لها ، فهذه العلاقة قد تكون علاقة غير مباشرة أو علاقة مصالح مشتركة ، كما هو حال بعض المؤسسات الإعلامية العالمية كمؤسسة البي بي سي. البريطانية أو بعض المؤسسات الإعلامية العالمية الأخرى.
وفي الوقت نفسه اشتركت قناة العربية بالجانب الاخر المعادي عبر الانجرار للمشروع الإعلامي الأمريكي والتطبيل له بطريقة تشويه صورة الحكومة العراقية الوطنية والتهجم على شخص وعائلة الشهيد صدام حسين وممكن فهم هذا التوجه اذا عرفنا من هي اداره هذه القناة السعودي عبد الرحمن الراشد مدعوم من الامير طلال حليف امريكا و يرتبط بصداقات مع اسرائيليين في لندن و ساهم في الإشراف على خطاب الشرقية لسعد البزاز قبل ان ينتقل عبد الرحمن الراقص من تحرير الشرق الاوسط الى الاشراف على قناة العربية
والراشد مع عثمان العمير السعودي الاخر صاحب موقع ايلاف يشكلون الواجهة العربية للخطاب الاسرائيلي في الاعلام العربي
و بهذا الخصوص أصدر معهد البحوث التجريبة في الإقتصاد التابع لجامعة زيورخ- في سويسرا عام 2006 بحث بعنوان : "الدم و الحبر! لعبة المصلحة المشتركة بين (الإرهابيين ) و الإعلام".
قاما به الأستاذ برونو فري و الأستاذ دومينيك رونر.
لقد بين هذين العالمين في بحوثهما أن الطرفين الإعلام المقاوم يستفيدون من الأعمال المقاومة. فالمقاومون يحصلون على دعاية مجانية لأعمالهم و الإعلام يستفيد مالياً لأن التقارير التي تنشر عن الإعمال الجهادية تزيد من قراء الجريدة وعدد مشاهدي التلفزيون وهذا بدوره مما يزيد مبيعات الجريدة و قيمة الدعاية المنشورة عليها وزيادة قيمة الدعاية التي يبثها التلفزيون.
و الجدير بالذكر أنهما وضعا لدراسة هذا الأمر معادلات رياضية بالعوامل المؤثرة على نشر الخبر مثل الشهرة و السلطة و المال و التأثير الفكري. هذه العوامل هي عبارة عن أهداف يراد الوصول إليها من وراء العمل الإعلامي أو العمل المقاوم على حداٍ سواء. وقد تبين لهم أن الطرفين، الإعلاميون و المجاهدون لهم نفس هذه الأهداف. فالإعلام يريد الشهرة و المقاومون يريدون انزال اكبر خلل نفسي بقوات العدو و الإعلام يريد السلطة على أكبر عدد ممكن من القراء أو المشاهدين وكذلك المقاوم يريد السيطرة على الحرب النفسية وتوجيه رسالته الى أكبر عدد ممكن من الناس.
ملاحظة: اغفلت عمدا الكثير من تفاصيل الحرب الاعلامية بين الاحتلال والمقاومة لان الحرب مازالت مستمرة

ومازالت الحرب الاعلامية بين المقاومة والاحتلال مستمرة

تحيه الى الأستاذ الدكتور محمد سعيد الصحاف احد أساطين الحرب الإعلامية في العصر الحديث